من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٤ - وكان الله على كل شيء رقيبا
الثاني: ما يتفق فيه مع سائر المؤمنين، وهو الزواج من الإماء والأقرباء.
وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ والأمة: هي المرأة التي يتملكها الرجل بالأسر أو الشراء، ولا يكتفي الله بالتعبير وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ إنما يضيف مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وذلك ليقول للرسول ولنا أيضا: بأن الزواج لا يتم من غير ثمن، فهو إن لم يكن بالأجر (المهر) فبالأسر، وكلاهما فيه تعب وصعوبة.
ومما يجوز للرسول الزواج منهن القريبات اللاتي تربطه بهن العلاقة العائلية وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك أما التي لا تهاجر مع الرسول صلى الله عليه واله، وتبقى في مكة فلم يكن جائزا له الزواج منها.
الثالث: ما ينفرد به النبي عن سائر المؤمنين وهي المرأة التي تهب نفسها له، فإنه يجوز له الزواج بها من دون أجر وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وفي تضاعيف الكلام يلاحظ انسجام التعابير مع تخصيص المورد للرسول وحده، فقد تكررت كلمة النَّبِيُ مرتين في موقع يمكن الاستغناء عن الثانية لولا هذا الأمر، ثم أكد ربنا خَالِصَةً لَكَ تحديدا للخطاب بأنه يعني الرسول صلى الله عليه واله وحده، ولم يكتف بذلك إنما صرح بانفراده بها، إذ قال مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
قال الحلبي: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة تهب نفسها للرجل ينكحها من غير مهر؟ فقال
(إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه واله وأَمَّا لِغَيْرِهِ فَلَا يَصْلُحُ هَذَا حَتَّى يُعَوِّضَهَا شَيْئاً يُقَدِّمُ إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ولَوْ ثَوْبٌ أَوْ دِرْهَمٌ وقَالَ يُجْزِئُ الدِّرْهَمُ) [١].
وعن محمد بن قيس عن أبى جعفر عليه السلام قال: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ وهُوَ فِي مَنْزِلِ حَفْصَةَ والمَرْأَةُ مُتَلَبِّسَةٌ مُتَمَشِّطَةٌ فَدَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ المَرْأَةَ لَا تَخْطُبُ الزَّوْجَ وأَنَا امْرَأَةٌ أَيِّمٌ [٢] لَا زَوْجَ لِي مُنْذُ دَهْرٍ ولَا وَلَدَ فَهَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ فَإِنْ تَكُ فَقَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ إِنْ قَبِلْتَنِي فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه واله خَيْراً ودَعَا لَهَا ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه واله
يَا أُخْتَ الأَنْصَارِ جَزَاكُمُ اللهُ عَنْ رَسُولِ الله خَيْراً فَقَدْ نَصَرَنِي رِجَالُكُمْ ورَغِبَتْ فِيَّ نِسَاؤُكُمْ.
فَقَالَتْ لَهَا حَفْصَةُ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَكِ وأَجْرَأَكِ وأَنْهَمَكِ لِلرِّجَالِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه واله
كُفِّي عَنْهَا يَا حَفْصَةُ فَإِنَّهَا خَيْرٌ مِنْكِ رَغِبَتْ فِي رَسُولِ الله فَلُمْتِهَا وعَيَّبْتِهَا.
ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْأَةِ
انْصَرِفِي رَحِمَكِ اللهُ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَكِ الجَنَّةَ لِرَغْبَتِكِ فِيَّ وتَعَرُّضِكِ لِمَحَبَّتِي
[١] الكافي: ج ٥، ص ٣٨٤.
[٢] الأيم: التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً.