من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٢ - وكان عهد الله مسؤولا
وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيداً ويحتمل هذا الشطر أحد تفسيرين: فإما يكون وصفا لطبيعة الامتحان بأنه من الصعوبة يشبه الزلزال الشديد، وإما يكون حديثا عن نتيجة الامتحان، فيصير المعنى أن المؤمنين اهتزت مواقفهم وتأثروا، فيحمل تفسير الآيتين (٢٢- ٢٣) مضافا لهذه الآية: أن المؤمنين صاروا فرقتين، فرقة تأثرت بالامتحان سلبا في بادئ الأمر، فاكتشفت ضعفها وجبروته، وفرقة ما زادهم إلا إيمانا وتسليما.
[١٢] أما المنافقون فقد افتضح أمرهم، وبرزوا على حقيقتهم أمام القيادة الرسالية يومذاك وأمام المجتمع، ولعل هذا الفرز من أهم أهداف وفوائد الأزمات التي يتعرض لها البشر في حياتهم.
والمنافق هو الذي يعيش شخصيتين: شخصية الإنسان المؤمن الصادق- وهذه يظهرها ليستر بها شخصيته الحقيقية الثانية بما فيها من الأنانية والدجل- فإذا استوجبت الظروف تعرض مصالحه للخطر، ووجد الالتزام ولو ظاهريا بالشخصية الإيجابية يعرضها للزوال ظهر على حقيقته.
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهم المؤمنون الذين يحملون الحقد والحسد والاستكبار و ... في قلوبهم، فإن شأنهم شأن المنافقين، لأن هذا المرض سوف يسبب لهم الانهيار والفرار في ساعة المواجهة، فهم يلتقون مع المنافقين في خور عزيمتهم، وطبيعة موقفهم من الشدائد، والذي يتجسد في فرارهم وسلبيتهم في المجتمع بخلاف المؤمنين الصادقين- تماماً- فبينما يقول أولئك: صدق الله ورسوله، ويزدادون إيمانا واستقامة على الطريق، يقول هؤلاء مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ويستدلون على ذلك بأن النصر لم ينزل عليهم.
[١٣] و ثمة مجموعة من المشككين لا يكتفون بهزيمتهم إنما يشيعون جوا من الهزيمة بهدف زلزلة عقائد الآخرين، وهذه من طبيعة المنافقين.
وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا حينما تتعرض الأمة للخطر فهي أحوج ما تكون إلى الثقة بنفسها وبقيادتها وبربها، وبالتالي فإن الألسن والأقلام التي توهن المجتمع، وتبث فيه روح الهزيمة لهي منافقة، وعلى المجتمع أن لا يستجيب لها، إنما يلتف حول قيادته الرسالية، كما إن من واجب القيادة فضح هذه الشريحة وإقصائها عن موقع المسؤولية والتوجيه.
وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَ ويغطون هذه الهزيمة بمجموعة من الأعذار والتبريرات الواهية يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، قالوا: إن بيوتنا مكشوفة للعدو، ولا نأمن على أهلنا منه، فلابد أن نبقى معهم نحميهم، لكن الله فضحهم إذ قال