من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٨ - الذي أحسن كل شيء خلقه
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ثم أحسن هذا الخلق إذ من عليه بنعمة الحواس والعقل، وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ وكان من واجب البشر أمام هذه النعمة أن يشكروا ربهم ويتبعوا رسالاته، ولكن غالبيتهم كفروا بأنعم الله.
قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ وهذا يدل على أن الطبيعة الطينية في الإنسان هي التي تغلب عليه في أكثر الأحيان، ولهذا نجد في القرآن أمثال وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ [سبأ: ١٣]، أو وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف ١٠٣]. إن الشكر الحقيقي هو تحسس الإنسان بأن النعم من عند الله، ومن ثم التسليم المطلق له، وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام
(أَوْحَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَى مُوسَى
عليه السلام
: يَا مُوسَى اشْكُرْنِي حَقَّ شُكْرِي.
فَقَالَ: يَا رَبِّ وكَيْفَ أَشْكُرُكَ حَقَّ شُكْرِكَ ولَيْسَ مِنْ شُكْرٍ أَشْكُرُكَ بِهِ إِلَّا وأَنْتَ أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ؟!. قَالَ
- تعالى-
: يَا مُوسَى الآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي) [١].
[١٠] ولعل من عوامل كفران النعم الجحود بيوم البعث، لماذا؟. لأن النعم عند من يشكرها عبارة عن مسؤوليات، وشكرها الوفاء بحقوقها، ومن يجحد القيامة يتهرب عن مسؤولية النعم، وبالتالي لا يشكرها. بل لعل السبب النفسي لجحود البعث التهرب عن مسؤولية النعم وحقوقها المفروضة علينا.
وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ توزعت أشلاؤنا، وتناثرت أعضاؤنا، أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ هذا هو ظاهر الاعتراض على دعوة الرسالة، ولكن الواقع هو التشكيك في قدرة الله سبحانه، والكفر بلقاء الله.
بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ولعل الآية تشير إلى أن الكفار إنما ذكروا هذا الاعتراض جدلا فثم عقدوا العزم على الكفر بلقاء ربهم، خشية تحمل المسؤولية في الدنيا، فأخذوا يتشبثون بأدلة جدلية لتبرير كفرهم هذا.
[١١] ولكن الله يؤكد أنه هو الذي يدبر شؤون الحياة، وليست الصدفة، وما دامت الحياة قائمة على تدبير إلهي فلماذا التشكيك في يوم المعاد، وهو مما تقتضيه الحكمة؟!.
ولماذا يستغرب الإنسان من فكرة البعث، وقد خلقه الله ولم يكن شيئا مذكورا، ثم إنه هو الذي يميته بمشيئته وليست الصدفة.
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ولقد وكل الله
[١] الكافي: ج ٢، ص ٩٨.