الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦١٣
و أنه أصل كل شيء، و به كل ولادة و نموّ، و نشوء و بقاء، و طهارة و عمارة، و ما من عمل في الدنيا إلا و هو محتاج إلى الماء.
فإذا أراد الرجل عبادته تجرد و ستر عورته ثم دخل الماء إلى وسطه، فيقيم ساعة أو ساعتين أو أكثر، و يأخذ ما أمكنه من الرياحين فيقطعها صغارا و يلقي فيه بعضها بعد بعض و هو يسبح و يقرأ، و إذا أراد الانصراف حرك الماء بيده، ثم أخذ منه فنقط به رأسه و وجهه و سائر جسده خارجا، ثم سجد و انصرف.
٥- الأكنواطريّة، أي عبّاد النار
و من ذلك الأكنواطرية [١]: أي عباد النار: زعموا أن النار أعظم العناصر جرما، و أوسعها حيزا، و أعلاها مكانا، و أشرفها جوهرا، و أنورها ضياء و إشراقا، و ألطفها جسما و كيانا. و الاحتياج إليها أكثر من الاحتياج إلى سائر الطبائع، و لا كون في العالم إلا بها و لا حياة و لا نمو، و لا انعقاد إلا بممازجتها.
و إنما عبادتهم لها أن يحفروا أخدودا مربعا في الأرض، و يؤججوا النار فيه؛ ثم لا يدعون طعاما لذيذا، و لا شرابا لطيفا، و لا ثوبا فاخرا، و لا عطرا فائحا، و لا جوهرا نقيا إلا طرحوه فيها تقربا إليها و تبركا بها، و حرموا إلقاء النفوس فيها، و إحراق الأبدان بها خلافا لجماعة أخرى من زهاد الهند.
و على هذا المذهب أكثر ملوك الهند و عظمائها، يعظمون النار لجوهرها تعظيما بالغا و يقدمونها على الموجودات كلها.
و منهم زهاد و عباد يجلسون حول النار صائمين يسدون منافسهم حتى لا يصل إليها من أنفاسهم نفس صدر عن صدر محرم.
و سنتهم: الحث على الأخلاق الحسنة، و المنع من أضدادها، و هي الكذب، و الحسد و الحقد، و اللجاج، و البغي، و الحرص و البطر، فإذا تجرد الإنسان عنها قرب من النار، و تقرب إليها.
[١] و يقال لهم (مك) أي المجوس. (تحقيق ما للهند من مقولة ص ٥٨).