الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٧١
الماهية و الصورة. و إما أن يكون من جهة النسبة إلى العنصر و المادة، و بطل الأول لأن صورتها واحدة، و هي متفقة في النوع، و الماهية لا تقبل اختلافا ذاتيا، و بطل الثاني لأن البدن و العنصر فرض غير موجود. قال: و محال أن تكون واحدة بالذات، لأنه إذا حصل بدنان حصلت فيهما نفسان. فإما أن يكونا قسمي تلك النفس الواحدة، و هو محال لأن ما ليس له عظم و حجم لا يكون منقسما، و إما أن تكون النفس الواحدة بالعدد في بدنين، و هذا لا يحتاج إلى كثير تكلف في إبطاله. فقد صح أن النفس تحدث كلما حدث البدن الصالح لاستعمالها إياه، و يكون البدن الحادث مملكتها و آلتها، و يكون في هيئة جوهر النفس الحادثة مع بدن ما، ذلك البدن الذي استحقه نزاع طبيعي إلى الاشتغال به و استعماله و الاهتمام بأحواله.
و الانجذاب إليه يخصها و يصرفها عن كل الأجسام غيره بالطبع إلا بواسطته. و أما بعد مفارقة البدن فإن الأنفس قد وجد كل واحد منها ذاتا منفردة باختلاف موادها التي كانت و باختلاف أزمنة حدوثها، و اختلاف هيئاتها التي بحسب أبدانها المختلفة لا محالة بأحوالها. و أنها لا تموت بموت البدن، لأن كل شيء يفسد بفساد شيء آخر فهو متعلق به نوعا من التعلق. فإما أن يكون تعلقه به تعلق المكافئ في الوجود، و كل واحد منهما جوهر قائم بنفسه فلا تؤثر المكافأة في الوجود في فساد أحدهما بفساد الثاني، لأنه أمر إضافي، و فساد أحدهما يبطل الإضافة لا الذات.
و إما أن يكون تعلقه به تعلق المتأخر في الوجود. فالبدن علة للنفس [١]، و العلل أربع [٢]، فلا يجوز أن يكون علة فاعلية، فإن الجسم بما هو جسم لا يفعل شيئا إلا بقواه [٣]. و القوى الجسمانية إما أعراض أو صور مادية، فمحال أن يفيد أمر قائم
[١] إن النفس عند ابن سينا حادثة. و هو يوافق أرسطو في هذا الرأي و يخالف أفلاطون على رأي بعضهم من أنه يقول بقدمها.
[٢] و هي: علة فاعلية للنفس معطية لها الوجود، و علة قابلية لها بسبيل التركيب كالعناصر للأبدان، أو بسبيل البساطة كالنحاس للصنم، و علة صورية، و علة كمالية.
[٣] فلو كان يفعل بذاته لا بقواه لكان كل جسم يفعل ذلك الفعل.