الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٦٣
فمنها البصر؛ و هي قوة مرتبة في العصبة المجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصقيلة.
و منها السمع و هي قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموّج الهواء المنضغط بين قارع و مقروع مقاوم له انضغاطا بعنف يحدث منه تموج فاعل للصوت يتأدى إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ، و يموجه بشكل نفسه، و تماس أمواج تلك الحركة العصبة فيسمع.
و منها الشم و هي قوة مرتبة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي تدرك ما يؤدي إليه الهواء المستنشق من الرائحة المخالطة لبخار الريح، و المنطبع بالاستحالة من جرم ذي رائحة.
و منها الذوق و هي قوة مرتبة في العصب المفروش على جرم اللسان تدرك الطعوم المتحللة من الأجسام المماسة المخالطة للرطوبة اللعابية التي فيه فتحيله.
و منها اللمس و هي قوة منبثة في جلد البدن كله و لحمه فاشية فيه. و الأعصاب تدرك ما تماسه و تؤثر فيه بالمضادة و تغيره في المزاج أو الهيئة. و يشبه أن تكون هذه القوة لا نوعا بل جنسا لأربع قوى منبثة معا في الجلد كله، الواحدة حاكمة في التضاد الذي بين الحار و البارد. و الثانية حاكمة في التضاد الذي بين الصلب و اللين.
و الثالثة حاكمة في التضاد الذي بين الرطب و اليابس و الرابعة حاكمة في التضاد الذي بين الخشن و الأملس، إلا أن اجتماعهما معا في آلة واحدة يوهم تأحدها في الذات، و المحسوسات كلها تتأدى إلى آلات الحس فتنطبع فيها فتدركها القوة الحاسة.
و القسم الثاني: قوى تدرك من باطن، فمنها ما يدرك صور المحسوسات، و منها ما يدرك معاني المحسوسات و الفرق بين القسمين هو أن الصورة هي الشيء الذي تدركه النفس الناطقة و الحس الظاهر معا. و لكن الحس يدركه أولا و يؤديه إلى النفس، مثل إدراك الشاة صورة الذئب. و أما المعنى فهو الشيء الذي تدركه النفس