الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٧٥
ثم قال: إن القول الذي لا مرد له هو أن المبدع كان و لا شيء مبدع، فأبدع الذي أبدع و لا صورة له عنده في الذات، لأن قبل الإبداع إنما هو فقط. و إذا كان هو فقط فليس يقال حينئذ جهة، و جهة حتى يكون هو و صورة، أو حيث و حيث حتى يكون هو، و ذو صورة. و الوحدة الخالصة تنافي هذين الوجهين.
و الإبداع هو تأييس ما ليس بأيس [١]، و إذا كان هو مؤيس الأيسيات، و التأييس لا من شيء متقادم، فمؤيس الأشياء لا يحتاج إلى أن يكون عنده صورة الأيس بالأيسية و إلا فقد لزمه إن كانت الصورة عنده أن يكون منفردا عن الصورة التي عنده فيكون هو و صورة، و قد بينا أنه قبل الإبداع إنما هو فقط.
و أيضا: فلو كانت الصورة عنده أ كانت مطابقة للموجود الخارج؟ أم غير مطابقة؟ فإن كانت مطابقة فلتتعدد الصور بعدد الموجودات، و لتكن كلياتها مطابقة للكليات، و جزئياتها مطابقة للجزئيات. و لتتغير بتغيرها كما تكثرت بتكثرها. و كل ذلك محال. لأنه ينافي الوحدة الخالصة. و إن لم تطابق الموجود الخارج فليست إذن صورة عنه، بل إنما هي شيء آخر.
و قال: لكنه أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات و المعلومات كلها.
فانبعث من كل صورة موجود في العالم على المثال الذي في العنصر الأول. فمحل الصور و منبع الموجودات كلها هو ذات العنصر.
و ما من موجود في العالم العقلي و العالم الحسي إلا و في ذات العنصر صورة له، و مثال عنه.
قال: و من كمال ذات الأول الحق أنه أبدع مثل هذا العنصر، فما يتصوره العامة في ذاته تعالى أن فيها الصور، يعني صور المعلومات، فهو في مبدعه،
[١] تأييس ما ليس بأيس: إيجاد ما ليس بموجود. قال الخليل: إن العرب تقول جيء به من حيث أيس و ليس، و لم تستعمل أيس إلا في هذه الكلمة، و إنما معناها كمعنى حيث هو، في حال الكينونة و الوجد.