الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٥٩
السبب، و راعوا فيه ساعته الاولى، و تختموا بخاتمه المعمول على صورته و هيئته و صنعته، و لبسوا اللباس الخاص به، و تبخروا ببخوره الخاص، و دعوا بدعواته الخاصة به، و سألوا حاجتهم منه: الحاجة التي تستدعي من زحل، من أفعاله و آثاره الخاصة به، فكان يقضي حاجتهم و يحصل في الأكثر مرامهم، و كذلك رفع الحاجة التي تختص بالمشتري في يومه و ساعته، و جميع الإضافات التي ذكرنا إليه، و كذلك سائر الحاجات إلى الكواكب، و كانوا يسمونها أربابا آلهة، و اللّه تعالى هو رب الأرباب، و إله الآلهة. و منهم من جعل الشمس إله الآلهة، و رب الأرباب.
و كانوا يتقربون إلى الهياكل تقربا إلى الروحانيات، و يتقربون إلى الروحانيات تقربا إلى الباري تعالى، لاعتقادهم بأن الهياكل أبدان الروحانيات، و نسبتها إلى الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا، فهم الأحياء الناطقون بحياة الروحانيات، و هي تتصرف في أبدانها تدبيرا، و تصريفا، و تحريكا كما نتصرف في أبداننا، و لا شك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه.
ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب، و هذه الطلسمات [١] المذكورة في الكتب و السحر، و الكهانة، و التنجيم، و التعزيم و الخواتيم، و الصور [٢] كلها من علومهم.
[١] الطلسمات: علم بأحوال تمزيج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية لأجل التمكن من إظهار ما يخالف العادة أو المنع مما يوافقها. و هو قريب المأخذ بالنسبة إلى السحر لكون مباديه و أسبابه معلومة، و أما منفعته فظاهرة، لكن طرق تحصيله شديدة العناء.
[٢] السحر: هو علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأسباب خفية، و هو علم خفي سببه، صعب استنباطه لأكثر العقول، و حقيقته كل ما انقادت النفوس إليه بخدعة فتميل إلى إصغاء الأقوال و الأفعال الصادرة عن الساحر، فعلى هذا التقدير هو علم يبحث عن معرفة الأحوال الفلكية و أوضاع الكواكب و عن ارتباط كل منها مع الأمور الأرضية.
أما الكهانة فهي علم مناسبة الأرواح البشرية مع الأرواح المجردة أي الجن و الشياطين و الاستعلام بهم عن أحوال الجزئية الحادثة في عالم الكون و الفساد المخصوصة بالمستقبل. و قد كان في العرب كهنة كشقّ و سطيح و غيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن و رئيّا يلقي إليه الأخبار، و منهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من-