الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٧٣
أن تكون عنايتنا بطلب البقاء الأبدي، و الوجود السرمدي أتم و أظهر و أبقى و أبلغ.
فبالحق ما كان الغائب طي الشاهد، و بتصفح هذا الشاهد يصح ذلك الغائب.
و قال الشيخ اليوناني: النفس جوهر كريم شريف [١]، يشبه دائرة قد دارت على مركزها، غير أنها دائرة لا بعد لها، و مركزها هو العقل، و كذلك العقل هو كدائرة و قد استدارت على مركزها، و هو الخير الأول المحض [٢]، غير أن النفس و العقل و إن كانا دائرتين، لكل دائرة العقل لا تتحرك أبدا، بل هي ساكنة ذاتية، شبيهة بمركزها، و أما دائرة النفس فإنها تتحرك على مركزها و هو العقل حركة الاستكمال، على أن دائرة العقل و إن كانت دائرة شبيهة بمركزها لكنها تتحرك حركة الاشتياق، لأنها تشتاق إلى مركزها و هو الخير الأول. و أما دائرة العالم السفلي فإنها تدور حول النفس، و إليها تشتاق. و إنما تتحرك بهذه الحركة الذاتية شوقا إلى النفس كشوق النفس إلى العقل، و شوق العقل إلى الخير المحض الأول، و لأن دائرة هذا العالم جرم، و الجرم يشتاق إلى الشيء الخارج منه و يحرص على أن يصير إليه فيعانقه. فلذلك يتحرك الجرم الأقصى الشريف حركة مستديرة لأنه يطلب النفس من جميع النواحي لينالها فيستريح إليها و يسكن عندها.
و قال: ليس للمبدع الأول تعالى صورة و لا حلية [٣] مثل صور الأشياء العالية،
[١] و يرى أفلوطين أن النفس جوهر شريف يختلف عن الجسم، و هو من عنصر أسمى من عنصر الجسم، هبط إليه من العالم الأعلى ليتخذه مقرا له ردحا من الزمن ثم يغادره إلى عالمه الآخر، و هو بهذا يخالف أرسطو الذي يرى أن النفس ليست إلا صورة بسيطة للجسم بدون عقل و لا إرادة و لا حساسية إلا و هي فيه، و يخالف كذلك الاستونيسيين الذين يقولون بأن النفس مكونة من عنصر النار الذي تتكون منه كل العناصر الأخرى.
[٢] يرى أفلوطين أن أول شيء انبثق من الواحد هو العقل، و العقل له وظيفتان: وظيفة التفكير في اللّه، و وظيفة التفكير في نفسه. و قد خلع أفلوطين على هذا العقل شيئا من خصائص المثال الذي شرحه أفلاطون. (انظر قصة الفلسفة اليونانية ص ٣٣٦).
[٣] فهو قد رفع الإله المبدع الأول عن عدم استحداثه للعالم، و عن جهله به، و نزهه عن مرادفته الطبيعية و حلولية الجزئية، و أحاطه بسياج من التعظيم و التقديس، فقال: هو الوحدة المطلقة، و هو الإله الذي يستحيل وصفه كما يستحيل حده.