الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٧٠
العقلية بالعكس؛ فإن إدامتها للتعقل و تصورها الأمور الأقوى يكسبها قوة و سهولة قبول، و إن عرض لها كلال و ملال فلاستعانة العقل بالخيال.
على أن القوى الحيوانية ربما تعين النفس الناطقة في أشياء منها أن يورد عليها الحس جزئيات الأمور فيحدث لها أمور أربعة:
أحدها: انتزاع النفس الكليات المفردة عن الجزئيات على سبيل تجريد لمعانيها عن المادة و علائقها و لواحقها، و مراعاة المشترك فيه و المتباين به و الذاتي وجوده و العرضي، فيحدث للنفس من ذلك مبادي التصور، و ذلك بمعاونة استعمال الخيال و الوهم.
و الثاني: إيقاع النفس مناسبات بين هذه الكليات المفردة على مثل سلب و إيجاب. فما كان التأليف منها بسلب و إيجاب ذاتيا بينا بنفسه أخذته، و ما كان ليس كذلك تركته إلى أن يصادف الواسطة.
و الثالث: تحصيل المقدمات التجريبية بأن يوجد بالحس محمول لازم الحكم لموضوع أو تال لازم لمقدم، فيحصل له اعتقاد مستفاد من حس و قياس ما [١].
و الرابع: الأخبار التي يقع بها التصديق لشدة التواتر. فالنفس الإنسانية تستعين بالبدن لتحصيل هذه المبادي للتصور و التصديق. و أما إذا استكملت النفس و قويت فإنها تنفرد بأفاعيلها على الإطلاق، و تكون القوى الحسية و الخيالية و غيرها صارفة لها عن فعلها [٢]، و ربما تصير الوسائط و الأسباب عوائق.
قال: و الدليل على أن النفس الإنسانية حادثة مع حدوث البدن أنها متفقة في النوع و المعنى. فإن وجدت قبل البدن، فإما أن تكون متكثرة الذوات أو تكون ذاتا واحدة. و محال أن تكون متكثرة الذوات، إن تكثرها إما أن يكون من جهة
[١] أما الحس فلأجل مشاهدة ذلك، و أما القياس فلأنه لو كان اتفاقيا لما وجد دائما أو في أكثر الأحيان.
[٢] و مثال هذا أن الإنسان قد يحتاج إلى ذاته و إلى آلات يتوصل بها إلى مقصد ما. فإذا وصل إليه ثم عرض من الأسباب ما يحمله على مفارقتها صار السبب الموصل بعينه عائقا.