الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٢٦
و محل الحيوانية: القلب، و منه مبدأ تدبير الحس و الحركة، و عن هذا فتح منه عروق إلى الدماغ. فيصعد إلى الدماغ من حرارته ما يعدل تلك البرودة، و ينزل منه من آثاره ما يدبر به الحركة.
و محل الإنسانية تصريفا و تدبيرا: الدماغ، و منه مبدأ الفكر، و التعبير عن الفكر و عن هذا فتحت إليه أبواب الحواس مما يلي هذا العالم، و فتحت إليه أبواب المشاعر مما يلي ذلك العالم و هاهنا ثلاثة أعضاء ممدات لا بد منها: المعدة التي تمد الكبد بالغذاء و الرئة التي تمد القلب بترويح الهواء. و العروق التي تمد الدماغ بالحرارة.
فإذن التركيب الإنساني أشرف التراكيب، فإن فيه جميع آثار العالم الجسماني و الروحاني. و تركيب القوى فيه أكمل التراتيب: فهو مجمع آثار الكونين و العالمين.
فكل ما هو في العالم منتشر ففيه مجتمع. و كل ما هو فيه من خواص الاجتماع، فليس للعالم البتة، لأن للاجتماع و التركيب خاصية لا توجد في حال الافتراق و الانحلال و اعتبر فيه حال السكر و الخل، و حال السكنجبين [١]، و كذلك الحكم في كل مزاج.
هذا وجه تركيب البدن. و ترتيب القوى الخاصة به.
و أما وجه اتصال النفس به، و ترتيب القوى الخاصة بها مما يلي هذا العالم، و مما يلي ذلك العالم؛ فاعلم أن النفس الإنسانية جوهر [٢] هو أصل القوى المحركة، و المدركة، و الحافظة للمزاج: تحرك الشخص بالإرادة، لا في جهات ميله الطبيعي.
و تتصرف في أجزائه، ثم في جملته. و تحفظ مزاجه عن الانحلال، و تدرك بالمشاعر
[١] السكنجبيون، معرب عن سركهانگبين انكبين الفارسي و معناه: خل و عسل.
[٢] أخذ في بيان القوى النفسية، و إنها تنقسم إلى مدركة و محركة. و قدم المدركة، لأن الحركة الاختيارية لا توجد إلا عند الشعور بمطلوب أو مهروب عنه. فيكون التحريك متفرعا عن الإدراك متأخرا عن الشعور. و الإدراك أشرف من الحركة لأنه قد يكون مطلوبا لذاته كما في الإنسان و الحركة لا تكون البتة مطلوبة إلا لغيرها، و إدراك الشيء هو أن تكون حقيقة متمثلة عند المدرك ينشأ عنها ما به يدرك، سواء أ كانت تلك الحقيقة لا وجود لها في الأعيان الخارجة، مثل كثير من الأشكال الهندسية، بل كثير من المفروضات، و إما أن تكون حقيقة مرتسمة في ذات المدرك، غير مباين له، و هذا ما رآه ابن سينا في إشاراته.