الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٨٢
الجسمانيات، و هو كثير الأوساخ و الأوضار، يتشبث به من سكن إليه فيمنعه من أن يرتفع علوا. و يتخلص منه من لم يسكن إليه، فيصعد إلى عالم كثير اللطافة، دائم السرور، و لعله جعل الهواء أول الأوائل لموجودات العالم الجسماني، كما جعل العنصر أول الأوائل لموجودات العالم الروحاني.
و هو على مثال مذهب تاليس إذا أثبت العنصر و الماء في مقابلته، و هو قد أثبت العنصر و الهواء في مقابلته، و نزل العنصر منزلة القلم الأول، و العقل منزلة اللوح القابل لنقش الصور. و رتب الموجودات على ذلك الترتيب، و هو أيضا من مشكاة النبوة اقتبس، و بعبارات القوم التبس.
٤- رأي أنباذقليس [١]
و هو من الكبار عند الجماعة، دقيق النظر في العلوم، رقيق الحال في الأعمال، و كان في زمن داود النبي عليه السلام، مضى إليه و تلقى منه العلم، و اختلف إلى لقمان الحكيم، و اقتبس منه الحكمة، ثم عاد إلى يونان و أفاد. قال:
إن الباري تعالى لم تزل هويته فقط، و هو العلم المحض، و هو الإرادة المحضة، و هو الجود و العزة، و القدرة، و العدل و الخير و الحق، لا أن هناك قوى مسماة بهذه الأسماء، بل هي: هو، و هو: هذه كلها. مبدع فقط لا أنه أبدع من شيء، و لا أن شيئا كان معه، فأبدع الشيء البسيط الذي هو أول البسائط المعقول، و هو العنصر الأول، ثم كسر
[١] أنباذقليس: نشأ في مدينة أكراجاس أو أجريجنتم في جزيرة صقلية و اشترك في سياستها، و يقال إنه كان زعيما للحزب الديمقراطي فيها. و يروى الكثير من الأخبار عن قيامه بأعمال السحر و المعجزات. من ذلك ما رواه ذيوجانس اللائرسي من أنه حدث يوما أن هبت الريح الأتيزية هبوبا شديدا جدا لدرجة أنها انتزعت الثمار من الأشجار. فجاء أنباذقليس بحمير و سلخ جلودها و نشرها على الروابي و قمم الجبال لوقف هبوب الرياح. فتوقفت الرياح فعلا، و لهذا سمي «واقف الرياح».
أما عن موته فهناك حكايات طريقة غريبة، من أشهرها أنه ألقى نفسه في فوهة بركا (etna( ليظن الناس أنه مضىء إلى السماء فيعبدوه بوصفه إلها. لكن لسوء حظه ترك إحدى نعليه على حافة الفوهة، و لما كان قد اعتاد لبس نعال من البرونز، فقد أمكن التعرف على فردة نعله بسهولة. توفي انبادقليس سنة ٣١٩ ق. م. (موسوعة الفلسفة ١: ١٢٦).