الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٢٣
الوجود هو حق محض، لأن حقيقة كل شيء خصوصية وجوده الذي يثبت له، فلا أحق إذن من واجب الوجود.
و قد يقال حق أيضا لما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا، فلا أحق بهذه الصفة مما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا، و مع صدقه دائما، و مع دوامه لذاته لا لغيره، و هو واحد محض، لأنه لا يجوز أن يكون نوع واجب الوجود لغير ذاته، لأن وجود نوعه له بعينه، إما أن تقتضيه ذات نوعه، أو لا تقتضيه ذات نوعه بل تقتضيه علة، فإن كان وجود نوعه مقتضى ذات نوعه لم يوجد إلا له، و إن كان لعلة فهو معلول [١]، فهو إذن تام في وحدانيته و واحد من جهة تمامية وجوده، و واحد من جهة أن حده له، و واحد من جهة أنه لا ينقسم لا بالكم و لا بالمبادئ المقومة له، و لا بأجزاء الحد، و واحد من جهة أن لكل شيء وحدة محضة و بها كمال حقيقته الذاتية، و واحد من جهة أن مرتبته من الوجود و هو وجوب الوجود ليس إلا له، فلا يجوز إذن أن يكون اثنان كل واحد منهما واجب الوجود بذاته، فيكون وجوب الوجود مشتركا فيه على أن يكون جنسا أو عارضا و يقع الفصل بشيء آخر، إذ يلزم التركيب في ذات كل واحد منهما. بل و لا تظن أنه موجود و له ماهية وراء الوجود كطبيعة الحيوان و اللون مثلا الجنسين اللذين يحتاجان إلى فصل و فصل حتى يتقررا في وجودهما، لأن تلك الطبائع معلولة، و إنما يحتاجان لا في نفس الحيوانية و اللونية المشتركة بل في الوجود. و هاهنا: فوجوب الوجود هو الماهية، و هو مكان الحيوانية التي لا تحتاج إلى فصل في أن يكون حيوانا بل في أن يكون موجودا.
إلا الواجب الوجود بذاته و قد يقال أيضا لما كان نافعا و مفيدا لكمالات الأشياء، و واجب الوجود يجب أن يكون لذاته مفيدا لكل وجود و لكل كمال وجود، فهو من هذه الجهة خير أيضا لا يدخله نقص و لا شر.
[١] فواجب الوجود و لذاته لا ندّ له و لا مثل و لا ضد، لأن الضد يطلق على مساو في القوة ممانع، و كل ما سوى الأول فمعلول فلا مساواة و الأضداد متفاسدة متشاركة في الموضوع، و واجب الوجود بريء عن المادة.