الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٨١
الهيولى لا تحمل القبول دفعة واحدة إلا بترتيب و زمان فحدثت تلك الصور فيها على الترتيب. و لم يزل الأمر كذلك في العالم بعد العالم على قدر طبقات تلك العوالم؛ حتى قلت أنوار الصور في الهيولى، و قلت الهيولى، و صارت منها هذه الصورة الرذلة الكثيفة التي لم تقبل نفسا روحانية، و لا نفسا حيوانية، و لا نباتية.
و كل ما هو على قبول حياة و حس فهو يعد في آثار تلك الأنوار.
و كان يقول: إن هذا العالم يدثر و يدخله الفساد و العدم من أجل أنه سفل تلك العوالم و ثقلها. و نسبتها إليه نسبة اللب إلى القشر، و القشر يرمى. قال: و إنما ثبات هذا العالم بقدر ما فيه من قليل نور ذلك العالم، و إلا لما ثبت طرفة عين.
و يبقى ثباته إلى أن يصفي العقل جزأه الممتزج به، و إلى أن تصفي النفس جزأها المختلط فيه. فإذا صفى الجزءان عنه دثرت أجزاء هذا العالم و فسدت و بقيت مظلمة قد عدمت ذلك القليل من النور فيها، و بقيت الأنفس الدنسة الخبثة في هذه الظلمة بلا نور و لا سرور، و لا روح و لا راحة، و لا سكون و لا سلوة.
و نقل عنه أيضا أن أول الأوائل من المبدعات هو الهواء [١]، و منه تكون جميع ما تكون في العالم من الأجرام العلوية و السفلية.
قال: ما كون من صفو الهواء المحض لطيف روحاني لا يدثر و لا يدخل عليه الفساد، و لا يقبل الدنس و الخبث، و ما كون من كدر الهواء كثيف جسماني يدثر و يدخله الفساد و يقبل الدنس و الخبث. فما فوق الهواء من العوالم فهو من صفوه، و ذلك عالم الروحانيات. و ما دون الهواء من العوالم فهو من كدره، و ذلك عالم
[١] إذا كان الماء الذي فرضه طاليس أصلا للكون لم يصادف من العقل اطمئنانا لأنه ليس من الشمول بحيث يسع الكون بأسره، و إذا كانت مادة أنكسيماندريس التي ليس لها شكل و لا حدود لم تسلم من النقد. فقد نهض أنكسيمانس و اختار مادة ثالثة فيها الشمول الذي ينقص الماء و فيها الصفات التي تعوز مادة أنكسيمادريس، ألا و هي الهواء فهو ذو صفات معروفة لا تنكر، و هو في نفس الوقت يشيع في كل أنحاء الوجود يغلف الأرض و يملأ في نظره جوانب السماء.