الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤١٤
و مثالات لها، متقدمة عليها، و إنما وضع سقراط الحدود مطلقا، لا باعتبار المحسوس و غير المحسوس، و أفلاطون ظن أنه وضعها لغير المحسوسات، فأثبتها مثلا عامة.
و قال أفلاطون في كتاب «النواميس»: إن الأشياء التي لا ينبغي للإنسان أن يجهلها، منها: أن له صانعا، و أن صانعه يعلم أفعاله، و ذكر أن اللّه تعالى إنما يعرف بالسلب، أي لا شبيه له و لا مثال، و أنه أبدع العالم من لا نظام إلى نظام، و أن كل مركب فهو إلى الانحلال، و أنه لم يسبق العالم زمان، و لم يبدع عن شيء.
اختلاف الأوائل في الإبداع، و المبدع، و الإرادة
ثم إن الأوائل اختلفوا في الإبداع، و المبدع: هل هما عبارتان عن معبر واحد؟ أم للإبداع نسبة إلى المبدع؟ و كذلك الإرادة: إنها المراد، أم المريد؟ على حسب اختلاف متكلمي الإسلام في الخلق، و المخلوق، و الإرادة: إنها خلق أم مخلوقة؟ أم صفة في الخالق؟.
قال أنكساغورس بمذهب فلوطرخيس: إن الإرادة ليست هي غير المراد، و لا غير المريد، و كذلك الفعل لأنهما لا صورة لهما ذاتية، و إنما يقومان بغيرهما، فالإرادة مرة تكون مستبطنة في المريد، و مرة ظاهرة في المراد، و كذلك الفعل.
و أما أفلاطون و أرسطوطاليس فلا يقبلان هذا القول، و قالا: إن صورة الإرادة و صورة الفعل قائمتان، و هما أبسط من صورة المراد كالقاطع للشيء هو المؤثر، و أثره في الشيء، و المقطوع هو المؤثر فيه القابل للأثر.
فالأثر ليس هو المؤثر و لا المؤثر فيه، و إلا انعكس حتى يكون المؤثر هو الأثر، و المؤثر فيه هو الأثر، و هو محال. فصورة المبدع فاعلة، و صورة المبدع مفعولة، و صورة الإبداع متوسطة بين الفاعل و المفعول.
فللفعل صورة، و أثر. فصورته من جهة المبدع، و أثره من جهة المبدع.
و الصورة من جهة المبدع في حق الباري تعالى ليست زائدة على ذاته حتى يقال صورة إرادة، و صورة باري مفترقتان، بل هي حقيقة واحدة.