الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٦٨
و من الدليل القاطع على أن محل المعقولات ليس بجسم أن الجسم منقسم بالقوة بالضرورة و ما لا ينقسم لا يحل المنقسم. و المعقول غير منقسم، فلا يحل المنقسم. أما أن الجسم منقسم فقد دللنا عليه، و أما أن المعقول المجرد لا ينقسم فقد فرغنا عنه، و أما أن ما لا ينقسم لا يحل منقسما؛ فإنا لو قسمنا المحل فلا يخلو:
إما أن يبطل الحال فيه و هذا كذب، أو لا يبطل و لا يخلو إما أن يبقى حالا في بعضه كما كان حالا في كله، و هذا محال فإنه يجب أن يكون حكم البعض حكم الكل.
و إما أن ينقسم بانقسام محله، و قد فرض غير منقسم. ثم فرض انقسام الحال فيه فلا يخلو: إما أن تكون أجزاؤه متشابهة كالشكل المعقول أو العدد، و ليس كل صورة معقولة بشكل، أو تكون الصورة المعقولة خيالية لا عقلية صرفة. و أظهر من ذلك أنه ليس يمكن أن يقال: إن كل واحد من الجزءين هو بعينه الكل في المعنى [١] و إن كانا غير متشابهين مثل أجزاء الحد من الجنس و الفصل فيلزم منه محالات، منها أن كل جزء من الجسم يقبل القسمة أيضا، فيجب أن تكون الأجناس و الفصول غير متناهية، و هذا باطل [٢] و أيضا فإنه إن وقع الجنس في جانب و الفصل في جانب.
ثم لو قسمنا الجسم لكان يجب أن يقع نصف الجنس في جانب و نصف الفصل في جانب و هو محال. ثم ليس أحد الجزءين أولى بقبول الجنس منه بقبول الفصل.
و أيضا ليس كل معقول يمكن أن يقسم إلى معقولات أبسط. فإن هاهنا معقولات هي أبسط المعقولات، و مبادي للتركيب في سائر المعقولات و ليس لها أجناس و لا فصول و لا انقسام في الكم و لا في المعنى، فلا يتوهم فيها أجزاء متشابهة.
فتبين بهذه الجملة أن محل المعقولات ليس بجسم، و لا قوة في جسم، فهو
[١] لأن الثاني إن كان غير داخل في معنى الكل فيجب أن نضع في الابتداء معنى الكل لهذا الواحد لا لكليهما، و إن كان داخلا في معناه فمن البين الواضح أن الواحد منهما وحده ليس يدل عليه على التمام.
[٢] و قد صح أن الأجناس و الفصول و أجزاء الحد للشيء الواحد متناهية من كل وجه، و لو كانت غير متناهية بالفعل لما كان يجوز أن يجتمع في الجسم اجتماعا على هذه الصورة، فإن ذلك يوجب أن يكون الجسم الواحد انفصل بأجزاء غير متناهية.