الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٥٣
السماوات، و محركاتها، و مدبراتها، و ما قبلها من العقل الفعال. و أجزاء مركبة متأخرة تجري أكثر أمورها على الاتفاق المخلوط بالطبع و الإرادة و الجبر الممزوج بالاختيار. ثم ينسب الكل إلى عناية الباري جلت عظمته.
المسألة العاشرة:
في أن النظام في الكل متوجه إلى الخير [١]، و الشر واقع في القدر بالعرض.
قال: لما اقتضت الحكمة الإلهية نظام العالم على أحسن إحكام و إتقان، لا لإرادة و قصد إلى أمر في السافل حتى يقال: إنما أبدع العقل مثلا لغرض في السافل، حتى يفيض مثلا على السافل فيضا، لأمر أعلى من ذلك، و هو أن ذاته أبدع ما أبدع لذاته لا لعلة و لا لغرض، فوجدت الموجودات كاللوازم و اللواحق، ثم توجهت إلى الخير، لأنها صادرة عن أصل الخير، و كان المصير في كل حال إلى رأس واحد.
ثم ربما يقع شر و فساد من مصادمات في الأسباب السافلة دون العالية التي كلها خير مثل المطر الذي لم يخلق إلا خيرا و نظاما للعالم، فيتفق أن يخرب به بيت عجوز، فإن وقع كان ذلك واقعا بالعرض لا بالذات. أو بأن لا يقع شر جزئي في العالم لا تقتضي الحكمة أن لا يوجد خير كلي، فإن فقدان المطر أصلا شر كلي،
[١] قال ابن سينا في كتاب النجاة: و كل واجب الوجود بذاته فإنه خير محض، و كمال محض، و الخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء و يتم به وجوده، و الشر لا ذات له، بل هو إما عدم جوهر أو عدم صلاح حال الجوهر، فالوجود خيرية و كمال الوجود خيرية الوجود، و الوجود الذي لا يقارنه عدم، لا عدم جوهر و لا عدم شيء للجوهر، بل هو دائم بالفعل، فهو خير محض، و الممكن الوجود بذاته ليس خيرا محضا، لأن ذاته بذاته لا يجب له الوجود فذاته بذاته تحتمل العدم، و ما احتمل العدم بوجه ما فليس من جميع جهاته بريئا من الشر و النقص. فإذن ليس الخير المحض إلا الواجب الوجود بذاته، و الواجب الوجود يجب أن يكون لذاته مفيدا لكل وجود، و لكل كمال وجود، فهو من هذه الجهة خير أيضا لا يدخله نقص و لا شر، و الشرور أمور إضافية مقيسة إلى أفراد شخصية معينة، و أما في نفسها و بالنسبة إلى ما يجب أن يكون عليه الكل من النظام فلا شر أصلا، و في النجاة: «فالخير مقتضى بالذات، و الشر مقتضى بالعرض، و كل بقدر». (النجاة ص ٣٧٣ و ٤٧٤).