الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٩٠
و ربما يقول: الوحدة على الإطلاق تنقسم إلى وحدة قبل الدهر، و وحدة مع الدهر، و وحدة بعد الدهر و قبل الزمان، و وحدة مع الزمان. فالوحدة التي هي قبل الدهر هي وحدة الباري تعالى. و الوحدة التي هي مع الدهر هي وحدة العقل الأول. و الوحدة التي هي بعد الدهر و قبل الزمان هي وحدة النفس. و الوحدة التي هي مع الزمان هي وحدة العناصر و المركبات.
و ربما يقسم الوحدة قسمة أخرى فيقول: الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات، و إلى وحدة بالعرض. فالوحدة بالذات ليست إلا للمبدع للكل الذي منه تصدر الوحدانيات في العدد و المعدود و الوحدة بالعرض تنقسم إلى ما هو مبدأ العدد و ليس داخلا في العدد و إلى ما هو مبدأ للعدد و هو داخل فيه، فالأول كالواحدية للعقل الفعال، لأنه لا يدخل في العدد و المعدود. و الثاني ينقسم إلى ما يدخل فيه كالجزء له، فإن الاثنين إنما هو مركب من واحدين، و كذلك كل عدد فهو مركب من آحاد لا محالة، و حيثما ارتقى العدد إلى أكثر نزلت نسبة الوحدة إليه إلى أقل، و إلى ما يدخل فيه كاللازم له لا كالجزء فيه، و ذلك لأن كل عدد أو معدود لن يخلو قط عن وحدة تلازمه، فإن الاثنين و الثلاثة في كونهما اثنين و ثلاثة واحدة و كذلك المعدودات من المركبات و البسائط واحدة، إما في الجنس، أو في النوع، أو في الشخص، كالجوهر في أنه جوهر على الإطلاق. و الإنسان في أنه إنسان، و الشخص المعين مثل زيد في أنه ذلك الشخص بعينه واحد. فلم تنفك الوحدة من الموجودات قط. و هذه وحدة مستفادة من وحدة الباري تعالى تلزم الموجودات كلها، و إن كانت في ذواتها متكثرة. و إنما شرف كل موجود بغلبة الوحدة فيه. فكل ما هو أبعد من الكثرة فهو أشرف و أكمل.
رأيه في العدد و المعدود:
ثم إن لفيثاغورس رأيا في العدد و المعدود قد خالف فيه جميع الحكماء قبله، و خالفه فيه من بعده، و هو أنه جرد العدد عن المعدود تجريد الصورة عن المادة، و تصوره موجودا محققا، و جرد الصورة و تحققها، و قال: مبدأ الموجودات