الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٦٦
مجردة بتجريدها إياها حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شيء. ثم لها إلى هذه الصورة نسب و ذلك أن الشيء الذي من شأنه أن يقبل شيئا قد يكون بالقوة قابلا له، و قد يكون بالفعل.
و القوة على ثلاثة أوجه: قوة مطلقة هيولانية، و هو الاستعداد المطلق من غير فعل ما كقوة الطفل على الكتابة: و قوة ممكنة و هو استعداد مع فعل ما كقوة الطفل بعد ما تعلم بسائط الحروف. و قوة تسمى ملكة، و هي قوة لهذا الاستعداد إذا تم بالآلة و يكون له أن يفعل متى شاء بلا حاجة إلى اكتساب. فالقوة النظرية قد تكون نسبتها إلى الصور نسبة الاستعداد المطلق، و تسمى عقلا هيولانيا [١]؛ و إذا حصل فيها من المعقولات الأولى [٢] التي يتوصل بها إلى المعقولات الثانية تسمى عقلا بالفعل. و إذا حصلت فيها المعقولات الثانية المكتسبة و صارت مخزونة له بالفعل متى شاء طالعها، فإن كانت حاضرة عنده بالفعل تسمى عقلا مستفادا. و إذا كانت مخزونة تسمى عقلا بالملكة. و هاهنا ينتهي النوع الإنساني، و يتشبه بالمبادئ الأولى للوجود كله. و للناس مراتب في هذا الاستعداد، فقد يكون عقل شديد الاستعداد حتى لا يحتاج في أن يتصل بالعقل الفعال إلى كثير شيء من تخريج و تعليم، حتى كأنه يعرف كل شيء من نفسه لا تقليدا بل بترتيب يشتمل على حدود وسطى فيه، إما دفعة في زمان واحد، و إما دفعات في أزمنة شتى، و هي القوة القدسية التي تناسب روح القدس فيفيض عليها منه جميع المعقولات، أو ما يحتاج إليه في تكميل القوة العملية. فالدرجة العليا منها النبوة، فربما يفيض عليها و على المتخيلة من روح القدس معقول تحاكيه المتخيلة بأمثلة محسوسة أو كلمات مسموعة، فيعبر عن الصورة بملك في صورة رجل، و عن الكلام بوحي في صورة عبارة.
[١] و هذه القوة التي تسمى عقلا هيولانيا موجودة لكل شخص بالنوع، و إنما سميت هيولانية تشبيها بالهيولى الأولى التي ليست هي بذاتها ذات صورة من الصور و هي موضوعة لكل صورة.
[٢] و يعني بالمعقولات الأولى المقدمات التي يقع بها التصديق لا باكتساب و لا بأن يشعر المصدق بها أنه كان يجوز له أن يخلو عن التصديق بها وقتا.