الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٠٠
و كان لفيثاغورس تلميذان رشيدان:
يدعى أحدهما: فلنكس، و يعرف بمرزنوش؛ قد دخل فارس و دعا الناس إلى حكمة فيثاغورس، و أضاف حكمته إلى مجوسية القوم، و يدعى الآخر قلانوس، دخل الهند، و دعا الناس إلى حكمة فيثاغورس أيضا، و أضاف حكمته إلى برهمية القوم، إلا أن المجوس كما يقال أخذوا جسمانية قوله، و الهند أخذوا روحانية قوله.
و مما أخبر عنه فيثاغورس و أوصى به:
قال: إني عاينت هذه العوالم العلوية بالحسّ بعد الرياضة البالغة [١]، و ارتفعت عن عالم الطبائع إلى عالم النفس و عالم العقل، فنظرت إلى ما فيها من الصور المجردة، و ما لها من الحسن و البهاء و النور، و سمعت ما لها من اللحون الشريفة، و الأصوات الشجية الروحانية.
و قال: إن ما في هذا العالم يشتمل على مقدار يسير من الحسن، لكونه معلول الطبيعة و ما فوقه من العوالم أبهى و أشرف و أحسن، إلى أن يصل الوصف إلى عالم النفس و العقل فيقف، فلا يمكن المنطق وصف ما فيها من الشرف و الكرم و الحسن و البهاء، فليكن حرصكم و اجتهادكم على الاتصال بذلك العالم، حتى يكون بقاؤكم و دوامكم طويلا بعد ما نالكم من الفساد و الدثور، و تصيرون إلى عالم هو حسن كله، و بهاء كله، و سرور كله و عز و حق كله، و يكون سروركم و لذتكم دائمة غير منقطعة.
و قال: من كانت الوسائط بينه و بين مولاه أكثر فهو في رتبة العبودية أنقص.
و إذا كان البدن مفتقرا في مصالحه إلى تدبير الطبيعة، و كانت الطبيعة مفتقرة في تأدية أفعالها إلى تدبير النفس، و كانت النفس مفتقرة في اختيارها الأفضل إلى إرشاد
[١] نصح الفيثاغوريون بالرياضة للحصول على مأربهم، و كان فيثاغورس يذهب في فلسفته، إلى أن يحول الناس عن الامتلاء إلى التقليل لأنه الأولى بهم و الأحسن لما يترتب عليه من الصحة و عدم شغل البال و الفكر فيتفرغ العقل لوظائفه، و ضرب المثل بنفسه فكان لا يشرب إلا القراح. و لا يتجاوز في غذائه العيش و العسل و الفاكهة و الخضر.