الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٣٧
و كان بأثينية نقاش غير حاذق فأتى ديمقريطيس و قال: جصص بيتك فأصوّره.
قال: صوّره أولا حتى أجصصه.
و قال: مثل العلم مع من لا يقبل و إن قبل لا يعمل؛ كمثل دواء مع سقيم و هو لا يداوى به.
و قيل له: لا تنظر، فغمض عينيه. قيل له: لا تسمع، فسد أذنيه. قيل له لا تتكلم، فوضع يده على شفتيه، قيل له: لا تعلم، قال: لا أقدر، و إنما أراد به أن البواطن لا تندرج تحت الاختيار، فأشار إلى ضرورة السر، و اختيار الظاهر.
و لما كان الإنسان مضطر الحدوث كان معزول الولاية عن قلبه، و هو بقلبه أكبر منه بسائر جوارحه، فلهذا لم يستطع أن يتصرف في أصله، لاستحالة أن يكون فاعل أصله، و لهذا الكلام شرح آخر، و هو أنه أراد التمييز بين العقل و الحسن، فإن الإدراك العقلي لا يتصور الانفكاك عنه، و إذا حصل لن يتصور نسيانه بالاختيار و الإعراض عنه، بخلاف الإدراك الحسي، و هذا يدل على أن العقل ليس من جنس الحس، و لا النفس من حيز البدن.
و قد قيل: إن الاختيار في الإنسان مركب من انفعالين: أحدهما: انفعال نقيصة، و الثاني: انفعال تكامل، و هو إلى الانفعال الأول أميل بحكم الطبيعة و المزاج، و الآخر ضعيف فيه إلا إذا وصل إليه مدد من جهة العقل و التمييز و النطق، فينشئ الرأي الثاقب، و يحدث الحزم الصائب، فيحب الحق، و يكره الباطل، فمتى وقف هذا المدد من القوة الاختيارية كانت الغلبة للانفعال الآخر، و لو لا تركب الاختيار عن هذين الانفعالين، أو انقسامه إلى هذين الوجهين لتأتى للإنسان جميع ما يقصده بالاختيار، بلا مهلة و لا ترجح، و لا هنية و لا تريح، و لا استشارة و لا استخارة.
و هذا الرأي الذي رآه هذا الحكيم لم أجد أحدا أبه له، و لا عثر عليه، أو حكم به، أو أومأ إليه. و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.