الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٤٢
تزداد تأثيرا كما تشاهد في المنام. و هذه هي السعادة و الشقاوة بالقياس إلى الأنفس الخسيسة، و أما الأنفس المقدسة فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال و تتصل لكمالها بالذات و تنغمس في اللذة الحقيقية، و لو كان بقي فيها أثر من ذلك اعتقادي أو خلقي تأذت به و تخلفت عن درجة عليين إلى أن ينفسخ عنها [١].
قال: و الدرجة الأعلى فيما ذكرناه لمن له النبوة، إذ في قواه النفسانية خصائص ثلاث نذكرها في الطبيعيات، فبها يسمع كلام اللّه تعالى، و يرى ملائكته المقربين، و قد تحوّلت على صور يراها، و كما أنّ الكائنات ابتدأت من الأشرف فالأشرف حتى ترقت في الصعود إلى العقل الأول، و نزلت في الانحطاط إلى المادة و هي الأخس. كذلك النفوس ابتدأت من الأخس حتى بلغت النفس الناطقة و ترقت إلى درجة النبوة.
و من المعلوم [٢] أن نوع الإنسان محتاج إلى اجتماع و مشاركة في ضروريات حاجاته مكتفيا بآخر من نوعه، يكون ذلك الآخر أيضا مكتفيا به. و لا تتم تلك الشركة إلا بمعاملة و معاوضة يجريان بينهما، يفرغ كل واحد منهما عن مهم لو تولاه بنفسه لا ازدحم على الواحد كثير. و لا بد في المعاملة من سنة و عدل،
[١] لقد تكشف رأي ابن سينا في مسألة البعث و النشور، فهو يقول بالبعث الروحي، و لا يقول بالمعاد الجسماني. أما في كتابه «الإشارات» فقد سكت عنه، و إنه في سكوته لحجة عليه، أما رأيه في استحالة أن يكون معاد جسماني فيستلزم متعا حسية في جنة عرضها السموات و الأرض. و هو يرى أن السعادة و الشقاء إنما يلحقان النفس دون الجسد. و قد أجمع المسلمون و أهل الكتاب و البراهمة على إعادة الخلق و جوازها بعد الفناء و إن اختلفوا في التفصيل، و خالفهم في هذه بعض الفرق و منها: الدهرية و قوم من الفلاسفة و فرقة من عبدة الأصنام و غيرهم.
[٢] و قد شرع ابن سينا، في الكلام على إثبات النبوة، و كيفية دعوة النبي إلى اللّه تعالى، و المعاد لما تبين من أن الإنسان يفارق سائر الحيوانات بأنه لا يحسن معيشته لو انفرد وحده شخصا واحدا يتولى تدبير أمره من غير شريك يعاونه على ضرورات حاجاته، و أنه لا بدّ أن يكون الإنسان مكفيا بآخر من نوعه، يكون ذلك الآخر أيضا مكفيا به و بنظيره، فيكون مثلا هذا ينقل إلى ذاك، و ذاك يخبز لهذا، و هذا يخيط للآخر، و الآخر يتخذ الإبرة لهذا حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكفيا.