الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٤٨
أحدهما: اضطراري، و ذلك من حيث المزاج المستمد لقبول النفس.
و الثاني: اختياري، و ذلك من حيث الاجتهاد المؤثر في رفع الحجب المادية.
و تصقيل النفس عن الصدأة المانعة لارتسام الصور المعقولة، حتى لو بلغ الاجتهاد إلى غاية الكمال: تساوت الأقدام، و تشابهت الأحكام. فلا يتفضل بشر على بشر بالنبوة، و لا يتحكم أحد على أحد بالاستتباع.
أجابت الحنفاء:
بأن التماثل و التشابه في الصور البشرية و الإنسانية مسلم لا مرية فيه. و إنما التنازع بيننا في النفس، و العقل قائم. فإن عندنا النفوس و العقول على التضاد و الترتب.
و علينا بيان ذلك على مساق حدودكم، و مساق أصولنا.
فقولكم إن النفس جوهر غير جسم هو كمال الجسم، محرك له بالاختيار. و ذلك إذا أطلق النفس على الإنسان و الملك، و هو كمال جسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة.
و إذا أطلق على الإنسان و الحيوان، فقد جعلتم لفظ النفس من الأسماء المشتركة.
و ميزتم بين النفس الحيواني، و النفس الإنساني، و النفس الملكي. فهلا زدتم فيه قسما ثالثا و هو النفس النبوي حتى يتميز عن الملكي، كما تميز الملكي عن الإنساني؟ فإن عندكم المبدأ النطقي للإنسان بالقوة، و المبدأ العقلي للملك بالفعل. فقد تغايرا من هذا الوجه. و من حيث إن الموت الطبيعي يطرأ على الإنسان، و لا يطرأ على الملك، و ذلك تمييز آخر، فليكن في النفس النبوي مثل هذا الترتيب.
و أما الكمال الذي تعرّضتم له فإنما يكون كمالا للجسم إذا كان اختيار المحرك محمودا. فأما إذا كان اختياره مذموما من كل وجه صار الكمال نقصانا. و حينئذ يقع التضاد بين النفس الخيرة و النفس الشريرة، حتى تكون إحداهما في جانب الملكية، و الثانية في جانب الشيطانية، فيحصل التضاد المذكور، كما حصل الترتب المذكور.
فإن الاختلاف بالقوة و الفعل اختلاف بالترتب. و الاختلاف بالكمال و النقص و الخير و الشر اختلاف بالتضاد، فبطل التماثل.
و لا تظنّن أن الاختلاف بين النفسين الخيرة و الشريرة اختلاف بالعوارض، فإن