الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣١١
قالوا:
* و أما الحالة: فأحوال الروحانيات من الروح، و الريحان، و النعمة، و اللذة، و الراحة، و البهجة، و السرور في جوار ربّ الأرباب: كيف يخفى؟.
ثم طعامهم و شرابهم: التسبيح، و التقديس، و التهليل، و التمجيد، و التحميد.
و أنسهم بذكر اللّه تعالى و طاعته، فمن قائم، و من راكع، و من ساجد، و من قاعد لا يزيد تبديل حالته لما هو فيه من البهجة و اللذة، و من خاشع بصره لا يرفع، و من ناظر لا يغمض، و من ساكن لا يتحرك، و من متحرك لا يسكن، و من كروبي [١] في عالم القبض، و من روحاني في عالم البسط: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [٢].
٢- مناظرات بين الصابئة، و الحنفاء
و قد جرت مناظرات و محاورات بين الصابئة و الحنفاء في المفاضلة بين الروحاني المحض، و بين البشرية النبوية.
و نحن أردنا أن نوردها على شكل سؤال و جواب، و فيها فوائد لا تحصى:
قالت الصابئة:
الروحانيات أبدعت إبداعا لا من شيء. لا مادة، و لا هيولى. و هي كلها جوهر [٣] واحد على سنخ [٤] واحد. و جواهرها أنوار محضة لا ظلام فيها، و هي من شدة ضيائها لا يدركها الحس، و لا ينالها البصر، و من غاية لطافتها يحار فيها العقل، و لا يجول فيها الخيال.
و نوع الإنسان مركب من العناصر الأربعة، مؤلف من مادة، و صورة، و العناصر
[١] كروبي، من كرب الأمر: دنا و قرب.
[٢] سورة التحريم: الآية ٦، و قد أوردنا الآية بكاملها ص ٣٠٨ ح ١.
[٣] الجوهر: كل جوهر مؤلف من مادة- و يسميها أرسطو هيولى- و صورة؛ هي و الصورة هي التي تكيّف الجوهر. و الصورة لما دونها، و مادة لما فوقها؛ فاللوح صورة بالنسبة إلى الخشب و مادة بالنسبة إلى السرير.
[٤] السنخ: الأصل من كل شيء.