الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٣٠
و السادسة: القوة الذاكرة [١]؛ و هي التي تستعرض ما في الخزانة على جانب العقل أو على الخيال و الوهم. و آلتها الروح المصبوب في آخر البطن المؤخر من الدماغ.
و أما المعقول الصرف المبرأ عن الشوائب المادية، فلا يحل في قوة جسمانية و آلة جسدانية، حتى يقال ينقسم بانقسامها، و يتحقق لها وضع و مثال، و لهذا لم يكن القوة الحافظة خزانة لها، بل المصدر الأول الذي أفاض عليها تلك الصورة صار خازنا لها، فحيثما طالعته النفس الإنسانية بقوتها العقلية المناسبة لواهب الصور نوعا من المناسبة فاضت منه عليها تلك الصور المستحفظة له، حتى كأنه ذكرها بعد ما نسيت، و وجدها بعد ما ضلت عنه.
و غريزة النفس الصافية تنزع إلى جانب القدس في تذكار الأمور الغائبة عن حضرة العقل نزاعا طبيعيا، فتستحضر ما غاب عنها، و لهذا السر أخبر الكتاب الإلهي وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً [٢] حتى صار كثير من الحكماء إلى أن العلوم كلها تذكار، و ذلك أن النفوس كانت في البدء الأول في عالم الذكر، ثم هبطت إلى عالم النسيان، فاحتاجت إلى مذكرات لما قد نسيت، معيدات إلى ما كانت قد ابتدأت وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [٣]* وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [٤].
[١] الذاكرة. و سلطانها في حيز الروح الذي في التجويف الأخير و هو آلتها. و هي حافظة للمعاني و معينة للوهم بالحفظ، و يسميها قوم ذاكرة لأن الذكر لا يتم إلا بها، و حفظ المعاني مغاير لاسترجاعها بعد زوالها.
و الاسترجاع هو طلب تلك الملاحظة بالفكر، فالذاكرة إذا ليست قوة بسيطة بل مبدأ، هي فعل يتركب من أفعال قوتين مدركة و حافظة، و المسترجعة مبدأ فعل يتركب من أفعال ثلاث قوى: متصرفة و مدركة و حافظة. (شرح الإشارات ص ١٤٥).
[٢] سورة الكهف: الآية ٢٤.
[٣] سورة الذاريات: الآية ٥٥.
[٤] سورة إبراهيم: الآية ٥.