الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٥٨
ثم الأرض على طبقات: الطبقة الأولى القريبة من المركز، و الثانية الطين، و الثالثة بعضها ماء و بعضها طين جففته الشمس و هو البر [١]. و السبب في أن الماء غير محيط بالأرض أن الأرض تنقلب ماء فتحصل و هدة، و الماء يستحيل أرضا فتحصل ربوة، و الأرض صلب و ليس بسيال كالماء و الهواء حتى ينصب بعض أجزائه إلى بعض و يتشكل بالاستدارة. و أما الهواء فهو أربع طبقات: طبقة تلي الأرض فيها مائية من البخارات و حرارة، لأن الأرض تقبل الضوء من الشمس، فتحمى فتتعدى الحرارة إلى ما يجاورها. و طبقة لا تخلو عن رطوبة بخارية و لكن أقل حرارة. و طبقة هي هواء صرف صاف. و طبقة دخانية لأن الأدخنة ترتفع إلى الهواء و تقصد مركز النار فتكون كالمنتشر في السطح الأعلى من الهواء إلى أن تتصعد فتحترق. و أما النار فإنها طبقة واحدة و لا ضوء لها، بل هي كالهواء المشفّ الذي لا لون له. و إن رئي لون للنار فهي بما يخالطها من الدخان صارت ذات لون، ثم فوق النار الأجرام العالية الفلكية، و العناصر بطبقاتها طوعها، و الكائنات الفاسدات تتولد من تأثيراتها، و الفلك و إن لم يكن حارا و لا باردا فإنه ينبعث منه في الأجرام السفلية حرارة و برودة بقوى تفيض منه إليها، و نشاهد هذا من إحراق شعاعه المنعكس على المرائي، و لو كان سبب الإحراق حرارة الشمس دون شعاعه لكان كل ما هو أقرب إلى العلو أسخن، بل سبب الإحراق التفاف الشعاع الشمسي المسخن لما يلتف به فيسخن الهواء، فالفلك إذا هيج بإسخانه الحرارة بخر من الأجسام المائية و دخن من الأجسام الأرضية، و أثار شيئا بين الغبار و الدخان من الأجسام المائية الأرضية [٢]. و البخار أقل
[١] ثم يحيط بالبر و البحر الهواء البخاري إلا أنه ذو طبقتين إحداهما تصاقب كرة الأرض فتسخن من شعاع الشمس المسخن للأرض المسخنة لما تجاورها و بعضه يبعد عنه فتستولي عليه الطبيعة التي في جوهر المائية و هو البرد. و لهذا تكون أعالي الجبال و مواضع انعقاد السحاب أبرد، ثم فوق هاتين الطبقتين طبقة الهواء الذي هو أقرب إلى البساطة ثم فوقه طبقة الهواء الدخاني، و ذلك أن الدخان أيبس و أسرع حركة و أشبه كيفية بالنار فهو يعلو البخار.
[٢] و لأن الأرض و الماء يوجدان في أكثر الأحوال متمازجين فليس يوجد بخار بسيط و لا دخان بسيط إلا ندرة و شذوذا و إنما يسمى التأثير باسم الأغلب.