الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٢٧
و هو عقل و عاقل و معقول، أي مسلوب عنه جواز مخالطة المادة و علائقها مع اعتبار إضافة ما.
و هو أول، أي مسلوب عنه الحدوث مع إضافة وجوده إلى الكل. و هو مريد، أي واجب الوجود مع عقليته أي سلب المادة عنه مبدأ لنظام الخير كله.
و هو جواد، أي هو بهذه الصفة بزيادة سلب أي لا ينحو غرضا لذاته. فصفاته إما إضافية محضة، و إما سلبية محضة. و إما مؤلفة من إضافة و سلب، و ذلك لا يوجب تكثرا في ذاته [١].
قال: و إذا عرفت أنه واجب الوجود، و أنه مبدأ لكل موجود فما يجوز عنه يجب أن يوجد، و ذلك لأن الجائز أن يوجد، و أن لا يوجد إذا تخصص بالوجود منه احتاج إلى مرجح لجانب الوجود. و المرجح إذا كان على الحال التي كان عليها قبل الترجيح، و لم يعرض البتة شيء فيه، و لا مباين عنه يقتضي الترجيح في هذا الوقت دون وقت قبله أو بعده، و كان الأمر على ما كان عليه لم يكن مرجحا، إذ كان التعطل عن الفعل و الفعل عنده بمثابة واحدة. فلا بد و أن يعرض له شيء، و ذلك لا يخلو: إما أن يعرض في ذاته و ذلك يوجب التغير، و قد قدمنا أن واجب الوجود لا يتغير و لا يتكثر. و إما أن يعرض مباينا عن ذاته و الكلام في ذلك المباين كالكلام في سائر الأفعال. قال: و العقل الصريح الذي لم يكذب يشهد أن الذات الواحدة إذا كانت من جميع جهاتها واحدة، و هي كما كانت، و كان لا يوجد عنها شيء فيما
[١] ذهب ابن سينا في الصفات إلى أنه أحال أولا أن تكون صفات المعاني وجودية زائدة على الذات، و قد ذهب إلى ذلك الصفاتية، إذ أنها لو كانت زائدة على الذات، فإما أن يكون وجودها من ذاتها أو من غيرها، و كلاهما محال فوجودها من ذاتها يستلزم كونها واجبة الوجود، و هذا يؤدي إلى التعدد في الواجب، و هو باطل، أو من الغير و هو الواجب أو غيره، لا جائز أن يكون غيره، و إلا كان محتاجا لغيره في ثبوت شيء له و هو باطل و إن كان الواجب هو العلة في وجودها فغير جائزة، إذ أنه بهذا الوصف يكون فاعلا لها، و بوصف كونها صفات له يكون قابلا لها فيكون الواجب قابلا و فاعلا و هو واحد و يتنافى هذا مع واحدية و على هذا سار ابن سينا فيما أورده، فهو يرى أن صفات المعاني التي ردها إلى العلم هي مركبة من علم و إضافة، أو من سلب و إضافة.