الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٣٠
يجوز أن يكون مبدؤها واحدا هو المعلول الأول. و لا أيضا يجوز أن يكون كل جرم متقدم منها علة للمتأخر؛ لأن الجرم بما هو جرم مركب من مادة و صورة. فلو كان علة لجرم لكان بمشاركة المادة. و المادة لها طبيعة عدمية، و العدم ليس مبدأ للوجود، فلا يجوز أن يكون جرم مبدأ للوجود، فلا يجوز أن يكون جرم مبدأ لجرم، و لا يجوز أن يكون مبدؤها قوة نفسانية هي صورة الجرم و كماله، إذ كل نفس لكل فلك فهي كماله و صورته ليس جوهرا مفارقا، و إلا كان عقلا. و أنفس الأفلاك إنما تصدر عنها أفعالها في أجسام أخرى بوساطة أجسامها و مشاركتهما. و قد بينا أن الجسم من حيث هو جسم لا يكون مبدأ لجسم، و لا يكون متوسطا بين نفس و نفس، و لو أن نفسا كانت مبدأ لنفس بغير توسط الجسم فلها انفراد قوام من دون الجسم، و ليست النفس الفلكية كذلك، فلا تفعل شيئا و لا تفعل جسما، فإن النفس متقدمة على الجسم في المرتبة و الكمال. فتعين أن للأفلاك مبادي غير جرمانية و غير صور للأجرام و الجميع مشترك في مبدأ واحد، و هو الذي نسميه المعلول الأول و العقل المجرد و يختص كل فلك بمبدإ خاص فيه، و يلزم دائما عقل من عقل حتى تتكون الأفلاك بأجرامها و نفوسها و عقولها، و ينتهي بالفلك الأخير، و يقف حيث يمكن أن تحدث الجواهر العقلية منقسمة متكثرة بالعدد، لتكثر الأسباب، فكل عقل هو أعلى في المرتبة، فإنه لمعنى فيه، و هو إنه بما يعقل الأول يجب عنه وجود عقل آخر دونه، و بما يعقل ذاته يجب عنه فلك بنفسه، فأما جرم الفلك فمن حيث إنه يعقل بذاته الممكن لذاته. و أما نفس الفلك فمن حيث إنه يعقل ذاته الواجب بغيره، و يستبقي الجرم بتوسط النفس الفلكية، فإن كل صورة فهي علة لكون مادتها بالفعل. و المادة بنفسها لا قوام لها، كما أن الإمكان نفسه لا وجود له، و إذا استوفت
- العقول. و أخذ عن أفلاطون أن الكثير يصدر عن الواحد، و أن الإله يعقل ذاته و يعقل الأشياء على الوجه الكلي، و أن عقله لذاته يولد العقل الأول و أن العقل يتأمل الواحد و يعود إليه، ثم إن هذه الآراء قد مزجت عند ابن سينا بآراء المنجمين و تعاليمهم، و قد كان الطبيعيون و المنجمون في ذلك العصر يجدون للأجرام السماوية أفعالا و آثارا في هذا العالم مختلفة تدل على اختلاف طبائعها.