الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤١٧
قال: إن الباري تعالى لم يزل بالأزلية التي هي أزلية الأزليات، و هو مبدع فقط. و كل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته عنده، أي كانت معلومة له فالصور عنده بلا نهاية، أي المعلومات بلا نهاية. قال: و لو لم تكن الصور عنده و معه لما كان إبداع، و لا بقاء للمبدع. و لو لم تكن باقية دائمة لكانت تدثر بدثور الهيولى، و لو كان ذلك كذلك لارتفع الرجاء و الخوف. و لكن لما كانت الصور باقية دائمة، و لها الرجاء و الخوف: كان ذلك دليلا على أنها لا تدثر، و لما عدل عنها الدثور و لم يكن له قوة عليها كان ذلك دليلا على أن الصورة أزلية في علمه تعالى، قال: و لا وجه إلّا القول بأحد الأقوال: إما أن يقال الباري تعالى لا يعلم شيئا البتة، و هذا من المحال الشنيع. و إما أن يقال يعلم بعض الصور دون بعض، و هذا من النقص الذي لا يليق بكمال الجلال، و إما أن يقال: يعلم جميع الصور و المعلومات، و هذا هو الرأي الصحيح.
ثم قال: إن أصل المركبات هو الماء، فإنه إذا تخلخل صافيا وجد نارا، و إذا تخلخل و فيه بعض الثقل صار هواء، و إذا تكاثف تكاثفا مبسوطا بالغا صار أرضا.
و حكى فلوطرخيس أن هرقليطس زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت، و جوهر البخت هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.
٢- رأي أكسنوفانس [١]
كان يقول: إن المبدع الأول هو آنية أزلية دائمة ديمومة القدم، لا تدرك بنوع
[١] أكسنوفانس: ولد سنة ٥٧٠ ق. م. في قولون بالقرب من أفسوس. و يرجح أن غزو الفرس لبلاده حمله على مغادرتها فضرب في مناكب الأرض يطوف في أنحاء العالم اليوناني ينشد الشعر في المحافل و الأعياد، و لم يزل يجول و يطوف حتى أوفى على التسعين.
كان أكسنوفانس شريف النفس، حر الفكر، مرّ النقد، قال ساخرا من تكريم الناس للمصارعين: إن حكمتنا خير و أبقى من قوة الرجال و الخيل. و قال متهكما من فيثاغورس لاعتقاده بالتناسخ: أنه مرّ ذات يوم برجل يضرب كلبا فأخذته الشفقة فصاح و هو ينتحب: أمسك عن ضربه يا هذا! إنها نفس صديق لي، لقد عرفته من صوته.-