الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٣٣
غير طبيعية إلى حال طبيعية إذا وصلت إليها سكنت، و لم يجز أن يكون فيها بعينها قصد إلى تلك الحالة الغير الطبيعية. لأن الطبيعية ليست تفعل باختيار، بل على سبيل التسخير. فإن كانت الطبيعية تحرك على الاستدارة فهي تحرك لا محالة، إما عن أين طبيعي أو وضع غير طبيعي هربا طبيعيا عنه. و كل هرب طبيعي عن شيء فمحال أن يكون هو بعينه قصدا طبيعيا إليه. و الحركة المستديرة ليست تهرب عن شيء إلا و تقصده فليست إذن طبيعية، إلا أنها قد تكون بالطبع، و إن لم تكن قوة طبيعية كانت شيئا بالطبع، و إنما تحرك بتوسط الميل الذي إليه. و نقول إن الحركة معنى متجدد السبب. و كل شطر منه مختص بسبب فإنه لا ثبات له. و لا يجوز أن يكون عن معنى ثابت البتة وحده، و لو كان فيجب أن يلحقه ضرب من تبدل الأحوال. فالثابت من جهة ما هو ثابت لا يكون عنه إلا ثابت. فالإرادة العقلية الواحدة لا توجب البتة حركة، فإنها مجردة عن جميع أصناف التغير، و القوة العقلية حاضرة المعقول دائما، و لا يفرض فيها الانتقال من معقول إلى معقول إلا مشاركا للتخيل و الحس، فلا بد للحركة من مبدأ قريب، و الحركة المستديرة مبدؤها القريب نفس في الفلك تتجدد تصوراتها و إرادتها، و هي كمال جسم الفلك و صورته، و لو كانت قائمة بنفسها من كل وجه لكانت عقلا محضا لا يتغير و لا ينتقل، و لا يخالط ما بالقوة، بل نسبتها إلى الفلك نسبة النفس الحيوانية التي لنا إليها، إلا أن لها أن تعقل بوجه ما تعقلا مشوبا بالمادة و بالجملة أوهامها أو ما يشبه الأوهام صادقة، و تخيلاتها أو ما يشبه التخيلات حقيقية، كالفعل العقلي فينا، و المحرك الأول لها غير مادي أصلا، و إنما تتحرك عن قوة غير متناهية.
و القوة التي للنفس متناهية لكنها بما تعقل الأول فيسيح عليها نوره دائما صارت قوتها غير متناهية، فكانت الحركات المستديرة أيضا غير متناهية. و الأجرام السماوية لما لم يبق في جوهرها أمر ما بالقوة أعني في كمها و كيفها تركبت صورتها في مادتها على وجه لا يقبل التحليل، و لكن عرض لها في وضعها و أينها ما بالقوة، إذ ليس شيء من أجزاء مدار فلك أو كوكب أولى بأن يكون ملاقيا له أو لجزئه من جزء