الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٢٠
لغاية الكثافة و الظلمة، و العالمان متقابلان، و الكمال للعلويّ لا للسفليّ، و الصفتان متقابلتان، و الفضيلة للنور لا للظلمة.
أجابت الحنفاء:
قالوا: لسنا نوافقكم أولا على أن الروحانيات كلها نورانية، و لا نساعدكم ثانيا أن الشرف للعلو، و لا نساهلكم أصلا أن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء.
و علينا بيان هذه المقدمات الثلاث، فإن فيها فوائد كثيرة.
أما الأولى فقالوا: حكمتم على الروحانيات حكم التساوي، و ما اعتبرتم فيها التضاد و الترتب. و إذا كانت الموجودات كلها، روحانيها و جسمانيها، على قضية التضاد و الترتب، فلم أغفلتم الحكمين هاهنا؟ و ذلك أن من قال: الروحاني هو ما ليس بجسماني؛ فقد أدخل جواهر الشياطين و الأبالسة و الأراكنة [١] في جملة الروحانيات، و كذلك من أثبت الجن أثبتها روحانية لا جسمانية. ثم من الجن من هو مسلم، و منها من هو ظالم. و من قال الروحاني هو المخلوق روحا، فمن الأرواح ما هو خيّر، و منها ما هو شرير، و الأرواح الخبيثة أضداد الأرواح الطيبة، فلا بد إذن من إثبات تضاد بين الجنسين، و تنافر بين الطرفين فلم تسلم دعواكم أنها كلها نورانية.
بلى: و عندنا، معاشر الحنفاء، الروح هو الحاصل بأمر الباري تعالى، الباقي على مقتضى أمره. فمن كان لأمره تعالى أطوع، و برسالات رسله أصدق: كانت الروحانية فيه أكثر و الروح عليه أغلب. و من كان لأمره تعالى أنكر، و بشرائعه أكذب:
كانت الشيطنة عليه أغلب.
- أَمْرِ رَبِّي أي هو أمر عظيم، و شأن كبير من أمر اللّه تعالى، ترك تفصيله ليعرف الإنسان عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها، و إذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا، كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. و حكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز. (انظر الرازي ١: ٣٠٨ و مجمع البيان ٣: ٤٣٧).
[١] الأراكنة، جمع أركون: و هو العظيم من الدهاقين.