الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٤١
و زادوا هذا تقريرا بأنكم معاشر الصابئة أيضا متوسطون، يحتاج إليكم في التزام مذهبكم، إذ من المعلوم أن كل من دب و درج منكم ليس يعرف طريقتكم، و لا يقف على صنعتكم من علم و عمل، أما العلم فالإحاطة بحركات الكواكب و الأفلاك، و كيفية تصرف الروحانيات فيها، و أما العمل فصنعة الأشخاص في مقابلة الهياكل على النسب، بل قوم مخصوصون أو واحد في كل زمان يحيط بذلك علما، و يتيسر له عملا، فقد أثبتم متوسطا عالما من جنس البشر. و قد ناقض آخر كلامكم أوله.
و زادوا هذا تقريرا آخر بإلزام الشرك عليهم إما الشرك في أفعال الباري تعالى، و إما الشرك في أوامره.
أما الشرك في الأفعال فهو إثبات تأثيرات الهياكل و الأفلاك. فإن عندهم الإبداع الخاص بالرب تعالى هو اختراع الروحانيات، ثم تفويض أمور العالم العلوي إليها، و الفعل الخاص بالروحانيات هو تحريك الهياكل، ثم تفويض أمور العالم السفلي إليها؛ كمن يبني معملة، و ينصب أركانا للعمل من: الفاعل، و المادة، و الآلة، و الصورة، و يفوض العمل إلى التلامذة، فهؤلاء اعتقدوا أن الروحانيات آلهة، و الهياكل أرباب، و الأصنام في مقابلة الهياكل باتخاذ و تصنع من كسبهم و فعلهم. فألزم أصحاب الأصنام: أنكم تكلفتم كل التكلف حتى توقعوا حجرا جمادا في مقابلة هيكل، و ما بلغت صنعتكم إلى إحداث: حياة فيه، و سمع، و بصر، و نطق، و كلام أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ* أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [١]. أو ليست أوضاعكم الفطرية، و أشخاصكم الخلقية أفضل منها و أشرف؟
أو ليست النسب و الإضافات النجومية المرعية في خلقتكم أشرف و أكمل مما راعيتموها في صنعتكم؟ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ [٢] أو لستم تحتاجون إلى المتوسط المعمول لقضاء حاجة: إما جلب نفع، أو دفع ضر. فهذا العامل
[١] سورة الأنبياء: الآيتان ٦٦ و ٦٧.
[٢] سورة الصافات: الآيتان ٩٥ و ٩٦.