الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٨٦
فيجري على سنن العقل و العنصر الأول من رعاية المحبة و الغلبة [١]، فيتألف بعض النفوس بالحكمة و الموعظة الحسنة، و يشدد على بعضها بالقهر و الغلبة.
فتارة يدعو باللسان من جهة المحبة لطفا، و تارة يدعو بالسيف من جهة الغلبة عنفا. فيخلص النفوس الجزئية الشريفة التي اغترت بتمويهات النفسين المزاجيتين عن التمويه الباطل، و التسويل الزائل القائل. و ربما يكسو النفسين السافلتين كسوة النفس الشريفة، فتنقلب الصفة الشهوية إلى المحبة، فتغلب محبة الخير و الحق و الصدق، و تنقلب الصفة الغضبية إلى الغلبة فتغلب الشر و الباطل و الكذب، فتصعد النفس الجزئية الشريفة إلى عالم الروحانيين بهما جميعا، فكانتا جسدا لها في ذلك العالم، كما كانتا جسدا لها في هذا العالم. و قد قيل: إذا كانت الدولة و الجد لأحد أحبه أشكاله، فيغلب بمحبتهم له أضداده.
و مما نقل عن أنباذقليس أنه قال: العالم مركب من الأسطقسات الأربعة [٢]، فإنه ليس وراءها شيء أبسط منها. و أن الأشياء كامنة بعضها في بعض.
[١] أما فيما يتصل بنشأة العالم، فيلاحظ أن أنباذقليس قال بأن مبدأي الحركة و التغير في الوجود هما أزليان أبديان، يتناوبان السيادة في الكون: فتارة تكون السيادة للمحبة و تارة تكون السيادة للكراهية، و طورا تأتي حالة بين بين، يكون فيها هذان المبدءان سائدين معا أو متنازعين. و على هذا الأساس توجد في العالم دورات. و كل دورة من هذه الدورات منقسمة إلى أربعة أقسام: ففي القسم الأول تكون ثمت سيادة مطلقة لمبدإ المحبة، و في القسم الثاني يكون هناك انتقال من سيادة مبدأ المحبة إلى سيادة مبدأ الكراهية، و يأتي بعد هذا القسم الثالث و فيه تكون السيادة المطلقة لمبدإ الكراهية، و يلي ذلك القسم الرابع و الأخير و فيه يكون الانتقال من سيادة مبدأ الكراهية إلى سيادة مبدأ المحبة من جديد. و تتوالى الأقسام على هذا النحو باستمرار. (موسوعة الفلسفة ١: ٢٢٨).
[٢] الأسطقس في اليونانية كالعنصر في العربية، و هو الأصل الذي تتألف منه الأجسام المختلفة الطبائع.
و الأسطقسات أربعة و هي: النار و الهواء و الماء و التراب، و هي تسمى بأربعة أسماء: العناصر و الأسطقسات و الأركان و أصول الكون و الفساد. فهي من حيث تتركب منها المركبات تسمى أسطقسات، و من حيث أنها تنحل إليه المركبات تسمى عناصر. و قد لوحظ في إطلاق لفظ الأسطقس معنى الكون، و في إطلاق العنصر معنى الفساد. و من حيث أنها أجزاء المركبات تسمى أركانا، و من حيث أنه ينقلب كل منهما إلى الآخر تسمى أصول الكون و الفساد، و العنصر خفيف و ثقيل، فالخفيف مطلق و هو النار، و إلا فخفيف بالإضافة و هو الهواء، و الثقيل، ما كانت حركته إلى الأسفل، فإن كان جميع حركته إليه فثقيل مطلق و هو التراب، و إلا فثقيل بالإضافة و هو الماء.