الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٦٦
مدبرات هذا العالم، و هم الآباء. و العناصر أمهات. و المركبات مواليد. و الآباء أحياء ناطقون، يؤدون الآثار إلى العناصر. فتقبلها العناصر في أرحامها، فيحصل من ذلك المواليد. ثم من المواليد قد يتفق شخص مركب من صفوها دون كدرها.
و يحصل له مزاج كامل الاستعداد، فيتشخص الإله به في العالم.
ثم إن طبيعة الكل تحدث في كل إقليم من الأقاليم المسكونة على رأس كل ستة و ثلاثين ألف سنة و أربعمائة و خمس و عشرين سنة: زوجين من كل نوع من أجناس الحيوانات ذكرا و أنثى؛ من الإنسان و غيره. فيبقى ذلك النوع تلك المدة ثم إذا انقضى الدور بتمامه انقطعت الأنواع: نسلها، و توالدها، فيبتدئ دور آخر، و يحدث قرن آخر من الإنسان، و الحيوان، و النبات، و كذلك أبد الدهر. قالوا:
و هذه هي القيامة الموعودة على لسان الأنبياء عليهم السلام، و إلا فلا دار سوى هذه الدار وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [١] و لا يتصور إحياء الموتى و بعث من في القبور أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُراباً وَ عِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ؟ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ [٢].
و هم الذين أخبر التنزيل عنهم بهذه المقالة.
١- القول بالتناسخ و الحلول
و إنما نشأ أصل التناسخ و الحلول من هؤلاء القوم.
فإن التناسخ هو أن تتكرر الأكوار و الأدوار إلى ما لا نهاية له. و يحدث في كل دور مثل ما حدث في الأول. و الثواب و العقاب في هذه الدار؛ لا في دار أخرى لا عمل فيها.
و الأعمال التي نحن فيها إنما هي أجزية على أعمال سلفت منا في الأدوار الماضية. فالراحة و السرور، و الفرح و الدعة التي نجدها هي مرتبة على أعمال البر
[١] سورة الجاثية: الآية ٢٤.
[٢] سورة المؤمنون: الآيتان ٣٥ و ٣٦.