الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٦٤
أرسطوطاليس الحكيم المقيم بمدينة إينياس، فأقام عنده خمس سنين يتعلم منه الحكمة و الأدب حتى بلغ أحسن المبالغ، و نال من الفلسفة ما لم ينله سائر تلاميذه، فاسترده والده حين استشعر من نفسه علة خاف منها. فلما وصل إليه جدد العهد له، و أقبل عليه، و استولت عليه العلة فتوفي، و استقل الإسكندر بأعباء الملك.
فمن حكمه: أنه سأله معلمه و هو في المكتب: إن أفضى إليك هذا الأمر يوما ما فأين تضعني؟ قال: بحيث تضعك طاعتك في ذلك الوقت.
و قيل له: إنك تعظم مؤدبك أكثر من تعظيمك والدك! قال: لأن أبي كان سبب حياتي الفانية، و مؤدبي هو سبب حياتي الباقية. و في رواية: لأن أبي كان سبب حياتي، و مؤدبي سبب تجويد حياتي. و في رواية: لأن أبي كان سبب كوني، و مؤدبي كان سبب نطقي.
و قال أبو زكريا الصيمري: لو قيل لي هذا لقلت: لأن أبي كان قضى وطرا بالطبيعة التي اختلفت بالكون و الفساد، و مؤدبي أفادني العقل الذي به انطلقت إلى ما ليس فيه كون و لا فساد.
و جلس الإسكندر يوما فلم يسأله أحد حاجة، فقال لأصحابه: و اللّه ما أعدّ هذا اليوم من أيام عمري في ملكي. قيل: و لم أيها الملك؟ قال: لأن الملك لا يوجد التلذذ به إلا بالجود على السائل، و إغاثة الملهوف، و مكافأة المحسن، و إلا بإنالة الراغب، و إسعاف الطالب.
و كتب إليه أرسطوطاليس في كلام طويل [١]: اجمع في سياستك بين بدار
[١] و مما كتبه إلى الإسكندر: أن أملك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، فإن طلبك ذلك منها بإحسانك هو أدوم بقاء منه باعتسافك، و اعلم أنك إنما تملك الأبدان، فاجمع لها القلوب بالمحبة، و اعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول قدرت على أن تفعل، فاجتهد ألا تقول تسلم من أن تفعل.
(العقد الفريد ١: ٢٨ و ١٤٥).