الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٥٩
مسافة في صعوده من الدخان، لأن الماء إذا سخن كان حارا رطبا، و الأجزاء الأرضية إذا سخنت و لطفت كانت حارة يابسة. و الحار الرطب أقرب إلى طبيعة الهواء و الحار اليابس أقرب إلى طبيعة النار. و البخار لا يجاوز مركز الهواء بل إذا وافى منقطع تأثير الشعاع برد و كثف. و الدخان يتعدى حيز الهواء حتى يوافي تخوم النار، و إذا احتبسا فيهما حدثت كائنات أخر. فالدخان إذا وافى حيز النار اشتعل، و إذا اشتعل فربما سعى فيه الاشتعال فرئي كأنه كوكب يقذف به، و ربما احترق و ثبت فيه الاحتراق فرئيت العلامات الهائلة الحمر و السود. و ربما كان غليظا ممتدا و ثبت فيه الاشتعال و وقف تحت كوكب، و دارت به النار بدوران الفلك و كان ذنبا له.
و ربما كان عريضا فرئي كأنه لحية كوكب و ربما حميت الأدخنة في برد الهواء للتعاقب المذكور فانضغطت مشتعلة، و إن بقي شيء من الدخان في تضاعيف الغيم و برد صار ريحا وسط الغيم يتحرك عنه بشدة يحصل منه صوت يسمى الرعد، و إن قويت حركته و تحريكه اشتعل من حرارة الحركة و الهواء و الدخان فصار نارا مضيئة تسمى البرق، و إن كان المشتعل كثيفا ثقيلا محرقا اندفع بمصادمات الغيم إلى جهة الأرض فيسمى صاعقة، و لكنها نار لطيفة تنفذ في الثياب و الأشياء الرخوة، و تنصدم بالأشياء الصلبة كالذهب و الحديد فيذيبه حتى يذيب الذهب في الكيس و لا يحرق الكيس. و يذيب ذهب المراكب و لا يحرق السير. و لا يخلو برق عن رعد لأنهما جميعا عن الحركة، و لكن البصر أحد، فقد يرى البرق و لا ينتهي صوت الرعد إلى السمع، و قد يرى متقدما و يسمع متأخرا.
و أما البخار الصاعد فمنه ما يلطف و يرتفع جدا و يتراكم و يكثر مدده في أقصى الهواء عند منقطع الشعاع فيبرد فيكثف فيقطر فيكون المتكاثف منه سحابا، و القاطر مطرا. و منه ما يقصر لثقله عن الارتفاع بل يبرد سريعا و ينزل كما لو يوافيه برد الليل سريعا قبل أن يتراكم سحابا، و هذا هو الطل. و ربما جمد البخار المتراكم في الأعالي أعني السحاب فنزل و كان ثلجا. و ربما جمد البخار غير المتراكم في الأعالي أعني مادة الطل فنزل و كان صقيعا، و ربما جمد البخار بعد ما استحال