الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٩٦
و كل عالم فهو دون الأول بالرتبة، و تتفاضل العوالم بالحسن و البهاء و الرتبة، و الأخير نقل العوالم و ثفلها و سفلها، و لذلك لم يجتمع كل الاجتماع، و لم تتحد الصورة بالمادة كل الاتحاد، و جاز على كل جزء منه الانفكاك عن الجزء الآخر، إلا أن فيه نورا قليلا من النور الأول، فلذلك النور وجد فيه نوع ثبات، و لو لا ذلك لم يثبت طرفة عين. و ذلك النور القليل: جسم النفس و العقل، الحامل لهما في هذا العالم.
و ذكر أن الإنسان بحكم الفطرة واقع في مقابلة العالم كله، و هو عالم صغير، و العالم إنسان كبير، و لذلك صار حظه من النفس و العقل أوفر، فمن أحسن تقويم نفسه و تهذيب أخلاقه و تزكية أحواله أمكنه أن يصل إلى معرفة العالم و كيفية تأليفه، و من ضيع نفسه و لم يقم بمصالحها من التهذيب و التقويم خرج من عداد العدد و المعدود، و انحلّ عن رباط القدر و المقدور، و صار ضياعا هملا.
و ربما يقول: النفس الإنسانية [١] تأليفات عددية أو لحنية، و لهذا ناسبت النفس مناسبات الألحان، و التذت بسماعها و طاشت، و تواجدت باستماعها و جاشت، و لقد كانت قبل اتصالها بالأبدان قد أبدعت من تلك التأليفات العددية الأولى ثم اتصلت بالأبدان، فإن كانت التهذيبات الخلقية على تناسب الفطرة، و تجردت النفوس عن المناسبات الخارجة اتصلت بعالمها، و انخرطت في سلكها
[١] وصل إلينا أقوال متباينة عن النفس عند الفيثاغوريين، فنحن نجد عند أفلاطون رأيا لبعضهم يقول:
إن النفس نوع من النغم، و النغم توافق الأضداد و تناسبها بحيث تدوم الحياة ما دام هذا النغم و تنعدم بانعدامه.
فإذا كانت النفس نغما لزم من جهة أن ليس لها وجود ذاتي. و الفيثاغورية تؤمن بالخلود، و لزم من جهة أخرى أن ليس لها وجود سابق على عناصر البدن، و الفيثاغورية تؤمن بالتناسخ. على أن أرسطو إذ يذكر هذه النظرية لا يعزوها للفيثاغوريين و لكنه يضيف إليهم قولين: الأول، أن النفس هي هذه الذرات المتطايرة في الهواء، و التي تدق عن إدراك الحواس. و يذهب الآخر إلى أن النفس هي المبدأ الذي تتحرك به هذه الذرات، و هو قول يخيل إلينا أن رأيهم الحق بحيث تكون النفس عندهم مبدأ أو علة توافق الأضداد في البدن و علة حركته جميعا. (تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٢٣).