الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٦١
الأرض فتميل إلى جهة فتبرد فتستحيل ماء فيصعد بالمد فيخرج عيونا، و إن لم تدعها السخونة تبرد و كثرت و غلظت فلم تنفذ في مجاري مستحصفة فاجتمعت و اندفعت مرة فزلزلت الأرض فخسفت. و قد تحدث الزلزلة من تساقط أعالي و هدة في باطن الأرض فيموج بها الهواء المحتقن. و إذا احتبست الأبخرة في باطن الجبال و الكهوف فيتولد منها الجواهر [١] إذا وصل إليها من سخونة الشمس و تأثير الكواكب خط؛ و ذلك بحسب اختلاف المواضع و الأزمان و المواد. فمن الجواهر ما هو قابل للإذابة و الطرق كالذهب و الفضة و يكون قبل أن يصلب زئبقا و نفطا. و انطراقها لحياة رطوبتها و لعصيانها الجمود التام. و منها ما لا يقبل ذلك. و قد تتكون من العناصر أكوان أيضا بسبب القوى الفلكية إذا امتزجت العناصر امتزاجا أكثر اعتدالا من المعادن، فيحصل في المركب قوة غاذية، و قوة نامية، و قوة مولدة. و هذه القوى متمايزة بخصائصها.
المقالة الرابعة:
في النفوس و قواها.
اعلم أن النفس كجنس واحد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: النباتية، و هي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يتولد و يربو و يغتذي. و الغذاء جسم من شأنه أن يتشبه بطبيعة الجسم الذي قيل إنه غذاؤه؛ و يزيد فيه مقدار ما يتحلل أو أكثر أو أقل.
و الثاني: النفس الحيوانية؛ و هي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات و يتحرك بالإرادة.
[١] و قد تحتبس في باطن الجبال و الكهوف، فتتولد منها الجواهر الغير قابلة للذوبان، و تحتقن الأدخنة أيضا في البحار فتملح مياهها لأن الأشياء الأرضية ذات الهوة، أي التي عملت فيها الحرارة و ما بلغت في الإحالة تكون مرة، فإذا خالطت المائية ملحت، و قد يتخذ من الرماد و الكلس و غيرهما ملح بأن يطبخ في الماء و يصفى و يطبخ حتى ينعقد ملحا، أو يترك فيصير ملحا.