الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٨٨
متحركة طالبة درجة العقل. ثم قالوا: العقل ساكن بنوع حركة، أي هو في ذاته كامل بالفعل، فاعل يخرج النفس من القوة إلى الفعل، و الفعل نوع حركة في سكون، و الكمال نوع سكون في حركة، أي هو كامل و مكمل غيره، فعلى هذا المعنى يجوز على قضية مذهبهم إضافة الحركة و السكون إلى الباري تعالى.
و من العجب أن مثل هذا الاختلاف قد وجد في أرباب الملل حتى صار بعض إلى أنه تعالى مستقر في مكان، و مستو على مكان، و ذلك إشارة إلى السكون. و صار بعض إلى أنه يجيء و يذهب، و ينزل و يصعد، و ذلك عبارة عن الحركة. إلا أن يحمل على معنى صحيح لائق بجناب القدس، حقيق بجلال الحق.
و مما نقل عن أنباذقليس في أمر المعاد أنه قال: يبقى هذا العالم على الوجه الذي عهدناه من النفوس التي تشبثت بالطبائع، و الأرواح التي تعلقت بالشباك حتى تستغيث في آخر الأمر إلى النفس الكلية التي هي كلها، فتتضرع النفس إلى العقل، و يتضرع العقل إلى الباري تعالى، فيسيح الباري تعالى على العقل، و يسيح العقل على النفس و تسيح النفس على هذا العالم بكل نورها فتستضيء الأنفس الجزئية، و تشرق الأرض بنور ربها حتى تعاين الجزئيات كلياتها، فتتخلص من الشبكة فتتصل بكلياتها، و تستقر في عالمها مسرورة محبورة وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [١].
٥- رأي فيثاغورس [٢]
ابن منسارخس من أهل ساميا [٣]. و كان في زمان سليمان النبي ابن داود عليهما السلام، قد أخذ الحكمة من معدن النبوة، و هو الحكيم الفاضل ذو الرأي
[١] سورة النور: الآية ٤٠.
[٢] روى بعض المؤرخين أن فيثاغورس من أصل فينيقي و من مواليد صور، إلا أن أكثر الروايات تجعل مولده في جزيرة ساموس، و تثبت أنه هجر وطنه حوالي سنة ٥٣٢ ق. م. و استوطن صقلية حيث تحلق حوله طلاب الحكمة يذهبون مذهبه في الامتناع عن أكل اللحوم و بعض الحبوب، و عن اتخاذ الألبسة من جلد الحيوان، و ما إلى ذلك مما يعود إلى اعتقادهم بالتناسخ و قد توفي فيثاغورس سنة ٤٩٧ ق. م.
[٣] انظر ص ٦١ ج ٢.