الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥١٥
وجهين: إما أن يكون جزءا ليس يجب عن حصوله بالفعل أن يكون ما هو معلول له موجودا بالفعل، و هذا هو العنصر، و مثاله الخشب للسرير، فإنك تتوهم الخشب موجودا و لا يلزم من وجوده وحده أن يحصل السرير بالفعل، بل المعلول موجود فيه بالقوة. و إما أن يكون جزءا يجب عن حصوله بالفعل وجود المعلول له بالفعل، و هذا هو الصورة، و مثاله الشكل و التأليف للسرير. و إن لم يكن كالجزء لما هو معلول له؛ فإما أن يكون مباينا أو ملاقيا لذات المعلول؛ و الملاقي؛ فإما أن ينعت به المعلول، و إما أن ينعت بالمعلول، و هذان هما في حكم الصورة و الهيولى [١]. و إن كان مباينا: فإما أن يكون الذي منه الوجود و ليس الوجود لأجله و هو الفاعل. و إما أن لا يكون منه الوجود بل لأجله الوجود و هو الغاية. و الغاية تتأخر في حصول الموجود عن المعلول و تتقدم سائر العلل في السببية. و فرق بين السببية و الوجود في الأعيان، فإن المعنى له وجود في الأعيان، و وجود في النفس، و أمر مشترك، و ذلك الأمر المشترك هو السببية، و الغاية بما هي سبب فإنها تتقدم سائر العلل، و هي علة العلل في أنها علل، و بما هي موجودة في الأعيان قد تتأخر، و إذا لم تكن العلة الفاعلية هي بعينها الغاية كان الفاعل متأخرا في السببية عن الغاية [٢]. و يشبه أن يكون الحاصل عند التمييز هو أن الفاعل الأول و المحرك الأول في كل شيء هو الغاية [٣]، و إن كانت العلة الفاعلية هي الغاية بعينها استغنى عن تحريك الغاية، فكان نفس ما هو فاعل نفس ما هو محرك من غير توسط.
و أما سائر العلل، فإن الفاعل و القابل قد يتقدمان المعلول بالزمان، و أما الصورة فلا تتقدم بالزمان البتة بل بالرتبة و الشرف، لأن القابل أبدا مستفيد، و الفاعل
[١] فإن كان ملاقيا، و نعت المعلول به، فهو كالصورة للهيولى، و إن نعت بالمعلول فهو كالموضوع للعرض.
[٢] و ذلك لأن سائر العلل، إنما تصير عللا بالفعل لأجل الغاية، و ليست هي لأجل شيء آخر، و هي توجد أولا نوعا من الوجود فتصير عللا عللا بالفعل.
[٣] فإن الطبيب يفعل لأجل البرء، و صورة البرء هي الصناعة الطبية التي في النفس، و هي المحركة لإرادته إلى العمل.