الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٢٥
ذاته له. و هاهنا تقديم و تأخير في ترتيب المعاني في عقولنا. و الغرض المحصل هو شيء واحد. و كذلك عقلنا لذاتنا هو نفس الذات. و إذا عقلنا شيئا فلسنا نعقل أن نعقل بعقل آخر، لأن ذلك يؤدي إلى التسلسل. ثم لما لم يكن جمال و بهاء فوق جمال و بهاء لماهية عقلية صرفة و خيرية محضة بريئة عن المواد، و أنحاء النقص واحدة من كل جهة و لم يسلم ذلك بكنهه إلا لواجب الوجود، فهو الجمال المحض، و البهاء المحض، و كل جمال و بهاء و ملائم و خير فهو محبوب معشوق. و كلما كان الإدراك أشد اكتناها و المدرك أجمل ذاتا فحب القوة المدركة له و عشقها له و التذاذها به كان أشد و أكثر، فهو أفضل مدرك بأفضل إدراك لأفضل مدرك، و هو عاشق لذاته و معشوق لذاته، عشق من غيره أو لم يعشق. و أنت تعلم أن إدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك الحس للمحسوس، لأن العقل إنما يدرك الأمر الباقي و يتحد به و يصير هو هو [١] و يدركه بكنهه لا بظاهره، و لا كذلك الحس فاللذة التي لنا بأن نعقل فوق اللذة التي لنا بأن نحس، لكنه قد يعرض أن تكون القوة الداركة لا تستلذ بالملائم لعوارض كالمرور يستمرئ العسل و يكرهه لعارض [٢].
و اعلم أن واجب الوجود ليس يجوز أن يعقل الأشياء من الأشياء، و إلا فذاته إما متقومة بما يعقل أو عارض لها أن يعقل، و ذلك محال بل كما أنه مبدأ كل وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له، و هو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها. و الموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها أولا و بتوسط ذلك بأشخاصها. و لا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة،
[١] لقد أنكر في كتابه «التنبيه و الإشارات» معنى الاتحاد و أقرّه في هذه الصفحات.
[٢] و يجب أن تعلم أنّا لا نجد إذا حصل لقوتنا العقلية كمالها بالعقل من اللذة ما يجب للشيء في نفسه، و ذلك لعائق البدن. فلو انفردنا عن البدن لكنا بمطالعتنا ذاتنا و قد صارت عالما عقليا مطالعا للموجود الحقيقة و الجمالات الحقيقة و الملذات الحقيقة متصلة بها اتصال معقول بمعقول تجد من اللذة و البهاء ما لا نهاية له. و اعلم أن لذة كل قوة حصول كمالها، فللحس المحسوسات الملائمة، و للغضب الانتقام و للرجاء الظفر و لكل شيء ما يخصه، و للنفس الناطقة مصيرها عالما عقليا بالفعل. فالواجب الوجود معقول عقل أو لم يعقل، معشوق عشق أم لم يعشق، لزيد شعر بذلك أم لم يشعر.