الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣١٨
قالت الصابئة:
الجسمانيات مركبة من مادة و صورة، و المادة لها طبيعة عدمية، و إذا بحثنا عن أسباب الشر و الفساد، و السفه و الجهل، لم نجد لها سببا سوى المادة و العدم، و هما منبعا للشر.
و الروحانيات غير مركّبة من المادة و الصورة، بل هي صورة مجرّدة، و الصورة لها طبيعة وجودية، و إذا بحثنا عن أسباب الخير، و الصلاح، و الحكمة، و العلم لم نجد لها سببا سوى الصورة، و هي منبع الخير، فنقول: ما فيه أصل الخير، أو ما هو أصل الخير، كيف يماثل ما فيه أصل الشرّ؟!
أجابت الحنفاء:
بأن ما ذكرتم في المادة أنها سبب الشر فغير مسلم، فإن من المواد ما هو سبب الصور كلها عند قوم، و ذلك هو الهيولى الأولى، و العنصر الأول، حتى صار كثير من قدماء الفلاسفة إلى أن وجودها قبل وجود العقل. ثم إن سلم فالمركب من المادة و الصورة كالمركب من الوجوب و الجواز عندكم، فإن الجواز له طبيعة عدمية، و ما من وجود سوى وجود الباري تعالى إلا وجوده جائز بذاته، واجب بغيره، فيجب أن يلازمه أصل الشر.
قالوا: و إن سلم لكم أيضا تلك المقدمة، فعندنا صور النفوس البشرية، و خصوصا صور النفوس النبوية، كانت موجودة قبل وجود المواد، و هي المبادي الأولى، حتى صار كثير من الحكماء إلى إثبات أناس سرمديين [١]، و هي الصورة المجردة التي كانت موجودة قبل العقل كالظلال حول العرش يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [٢] و كانت هي أصل الخير و مبدأ الوجود، و لكن لما ألبست الصور البشرية لباس
[١] السرمد: الدائم الذي لا ينقطع، و السرمدي ما لا أول له و لا آخر.
[٢] سورة الزمر: الآية ٧٥، و تمامها قوله تعالى: وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.