الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٥١
فليس إخلاء لا شيء، فهو ذو «كم» و كل «كم» فإما متصل و إما منفصل، و المنفصل لذاته عديم الحد المشترك بين أجزائه؛ و قد تقرر في الخلاء حد مشترك، فهو إذن متصل الأجزاء منحازها في جهات، فهو إذن «كم» ذو وضع قابل للأبعاد الثلاثة، كالجسم الذي يطابقه، و كأنه جسم تعليمي مفارق للمادة فنقول: الخلاء يقدر إما أن يكون موضوعا لذلك المقدار، أو يكون الوضع و مقدار جزءين من الخلاء، و الأول باطل، فإنه إذا رفع المقدار في التوهم كان الخلاء وحده بلا مقدار، و قد فرض أنه ذو مقدار، فهو خلف. و إن بقي متقدرا في نفسه فهو مقدار بنفسه لا لمقدار حله، و إن كان الخلاء مجموع مادة و مقدار فالخلاء إذن جسم فهو ملاء.
و أيضا فإن كل شيء يقبل الاتصال و الانفصال فهو ذو مادة مشتركة قابلة لهما كما بينا، و الخلاء لا مادة له، فلا يجوز عليه الانفصال و الاتصال، و نقول: إن التمانع محسوس بين الجسمين، و ليس التمانع من حيث المادة، لأن المادة من حيث أنها مادة لا انحياز لها عن الأجزاء؛ و إنما ينحاز الجسم عن الجسم لأجل صورة البعد، فطباع الأبعاد تأبى التداخل، و توجب المقاومة و التنحي. و أيضا فإن بعدا لو دخل بعدا فإما أن يكونا جميعا موجودين أو معدومين، أو أحدهما موجودا و الآخر معدوما، فإن وجدا جميعا، فهما أزيد من الواحد، و كل ما هو عظيم و هو أزيد فهو أعظم، و إن عدما جميعا، أو وجد أحدهما و عدم الآخر، فليس مداخلة. فإذا قيل جسم في خلاء، فيكون بعدا في بعد، و هو محال.
و نقول في نفي اللانهاية عن الجسم: إن كل موجود الذات ذا وضع و ترتيب فهو متناه، إذ لو كان غير متناه فإما أن يكون غير متناه من الأطراف كلها أو غير متناه من طرف. فإن كان غير متناه من طرف أمكن أن يفصل منه من الطرف المتناهي جزء بالتوهم، فيوجد ذلك المقدار مع ذلك الجزء شيئا على حدة، و بانفراده شيئا على حدة. ثم يطبق بين الطرفين المتناهيين في التوهم، فلا يخلو إما أن يكون بحيث يمتدان معا متطابقين في الامتداد فيكون الزائد و الناقص متساويين و هذا محال. و إما أن لا يمتد بل يقصر عنه فيكون متناهيا و الفصل أيضا كان متناهيا فيكون