الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٧٩
كان التفاسد في العناصر إنما هو لتضاد حركاتها. و الحركة الدورية لا ضد لها، فلم يقع فيها فساد. قال: و كليات العناصر إنما تتحرك على استدارة و إن كانت الأجزاء منها تتحرك على الاستقامة. فالفلك و كليات العناصر لا تفسد، و إذا لم يجز أن يفسد العالم لم يجز أن يتكون.
و هذه الشبهات هي التي يمكن أن يقال عنها فتنقض، و في كل واحدة منها نوع مغالطة و أكثرها تحكمات. و قد أفردت لها كتابا أوردت فيه شبهات أرسطوطاليس، و هذه، و تقريرات أبي عليّ بن سينا، و نقضتها على قوانين منطقية، فليطلب ذلك.
و من المتعصبين لبرقلس من مهد له عذرا في ذكر هذه الشبهات [١] و قال: إنه كان يناطق الناس منطقين أحدهما: روحاني بسيط، و الآخر: جسماني مركب. و كان أهل زمانه الذين يناطقونه جسمانيين. و إنما دعاه إلى ذكر هذه الأقوال مقاومتهم إياه، فخرج من طريق الحكمة و الفلسفة من هذه الجهة، لأن من الواجب على الحكيم أن يظهر العلم على طرق كثيرة، يتصرف فيها كل ناظر بحسب نظره، و يستفيد منها بحسب فكره و استعداده، فلا يجدوا على قوله مسلخا، و لا يصيبوا مقالا و لا مطعنا، لأن برقلس لما كان يقول بدهر هذا العالم، و أنه باق لا يدثر، وضع كتابا في هذا المعنى، فطالعه من لم يعرف طريقته، ففهموا منه جسمانية قوله دون روحانيته، فنقضوه على مذهب الدهرية و في هذا الكتاب يقول: «لما اتصلت العوالم بعضها ببعض، و حدثت القوى الواصلة فيها، و حدثت المركبات من العناصر، حدثت قشور، و استبطنت لبوب فالقشور دائرة، و اللبوب قائمة دائمة لا يجوز الفساد عليها، لأنها بسيطة وحيدة القوى. فانقسم العالم الى عالمين: عالم الصفوة
[١] فهو بشبهاته يذهب بما يذكره فيها من أدلة إلى قدم العالم، و يدلل عليه بما يذكره مازجا أدلته بعقيدة وجود الخالق عز و جل، و هذا ما تأباه طبيعة الدين، و ما ينطبق به القرآن الكريم من الآيات التي تثبت الاختيار للّه سبحانه و تعالى.