الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٢٣
الجوارح: جوارح الحواس. فأمزجة الأنبياء عليهم السلام أمزجة نفسانية، و نفوسهم نفوس عقلية. و عقولهم عقول أمرية فطرية. و لو وقع حجاب في بعض الأوقات فذاك لموافقتنا و مشاركتنا كي تزكى هذه العقول و تصفى هذه الأذهان و النفوس، و إلا فدرجاتهم وراء ما يقدر.
و أما الثاني: فإنهم قالوا: من العجب أنهم لا يعجبون بهذه العلوم، بل و يؤثرون التسليم على البصيرة، و العجز على القدرة، و التبرؤ من الحول و القوة على الاستقلال، و الفطرة على الاكتساب وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ [١] على إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [٢].
و يعلمون أن الملائكة و الروحانيات بأسرها، و إن علمت إلى غاية قوة نظرها و إدراكها، ما أحاطت بما أحاط به علم الباري تعالى، بل لكل منهم مطرح نظر، و مسرح فكر، و مجال عقل، و منتهى أمل، و مطار و هم و خيال. و أنهم إلى الحد الذي انتهى نظرهم إليه مستبصرون، و من ذلك الحد إلى ما وراءه مما لا يتناهى، مسلمون مصدقون. و إنما كمالهم في التسليم لما لا يعلمون، و التصديق لما يجهلون وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ [٣] ليس كمال حالهم بل سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [٤] هو الكمال.
فمن أين لكم معاشر الصابئة أن الكمال و الشرف في العلم و العمل لا في التسليم و التوكل؟.
و إذا كانت غاية العلوم هذه الدرجة فجعلت نهاية أقدام الملائكة و الروحانيين بداية أقدام السالكين من الأنبياء و المرسلين قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [٥] فعالم الروحانيات بالنسبة إليهم شهادة، و بالنسبة إلينا غيب. و عالم
[١] سورة الأحقاف: الآية ٩.
[٢] سورة القصص: الآية ٧٨.
[٣] سورة البقرة: الآية ٣٠ و ٣٢.
[٤] سورة البقرة: الآية ٣٠ و ٣٢.
[٥] سورة النمل: الآية ٦٥.