الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٧٨
٢- رأي أنكساغورس [١]
و هو أيضا من أهل ملطية، رأى في الوحدانية مثل ما رأى تاليس، و خالفه في المبدأ الأول .. قال إن مبدأ الموجودات هو جسم أول متشابه الأجزاء، و هي أجزاء لطيفة لا يدركها الحس، و لا ينالها العقل. منها كون الكون كله العلوي منه و السفلي، لأن المركبات مسبوقة بالبسائط، و المختلفات أيضا مسبوقة بالمشابهات، أ ليست المركبات كلها إنما امتزجت و تركبت من العناصر، و هي بسائط متشابهة الأجزاء؟ و أ ليس الحيوان و النبات و كل ما يغتذي فإنما يغتذي من أجزاء متشابهة أو غير متشابهة، فتجتمع في المعدة فتصير متشابهة، ثم تجري في العروق و الشرايين فتستحيل أجزاء مختلفة مثل الدم، و اللحم و العظم [٢]؟.
و حكى عنه أيضا أنه وافق سائر الحكماء في المبدأ الأول أنه العقل الفعال، غير أنه خالفهم في قوله إن الأول الحق تعالى ساكن غير متحرك. و سنشرح القول في السكون و الحركة له تعالى، و نبين اصطلاحهم في ذلك.
و حكى فرفوريوس [٣] عنه أنه قال: إن أصل الأشياء جسم واحد موضوع
[١] أنكساغورس: كان تلميذا لطاليس، و كان أول من أدخل الفلسفة إلى أثينا لكنه خالف أستاذه في كون الماء أصل الوجود. فمهما بلغ الماء من المرونة و قابلية التشكل فهو ذو صفات معروفة معينة تستطيع أن تميزه بها عن المواد الأخرى. و معنى ذلك أن ثمت صفات تناقض صفات الماء، لأنك لا تدرك الصفة إلا إذا أدركت نقيضها. فلا تفهم الحرارة إلا إذا اقترنت في ذهنك بالبرودة. فإذا انعدم هذا التقابل انعدمت كذلك الخصائص و الصفات. و ما دام الأمر كذلك فلا يعقل أن تكون المخلوقات جميعا على تناقض صفاتها مشتقة من أصل واحد ذي صفة معينة معروفة. و إنما أصل الكون مادة لا شكل لها و لا نهاية و لا حدود.
[٢] و في اعتقاده أن الأشياء متباينة في الحقيقة كما تبدو لنا و أن قسمة الأجسام بالغة ما بلغت تنتهي دائما إلى أجزاء مجانسة للكل، تنتهي إلى لحم في اللحم و عظم في العظم، و هو يزعم أن كل جسم مركب من أجزاء صغيرة متجانسة، فالدم مثلا مركب من أجزاء صغيرة من الدم، و الماء من أجزاء صغيرة من الماء. و هكذا سائر الأشياء. (تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٤١).
[٣] فرفريوس: هو ملخوس السوري الملقب بفرفريوس أظهر تلاميذ أفلوطين و من أتباع الأفلاطونية الجديدة. و قد شرح محاورات أفلاطون الكبرى، و شرح من كتب أرسطو المقولات و الأخلاق و الطبيعة و الإلهيات، و بعد وفاة أفلوطين جمع رسائله و كانت أربعا و خمسين و قدم لها ترجمة لحياة أفلوطين و وزعها-