الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤١٨
صفة منطقية و لا عقلية مبدع صور كل صفة، و كل نعت منطقي و عقلي، فإذا كان هذا هكذا، فقولنا إن صور ما في هذه العوالم المبدعة لم تكن عنده أو كانت، أو كيف أبدع و لم أبدع؟ محال، لأن العقل مبدع، و المبدع مسبوق بالمبدع، و المسبوق لا يدرك السابق أبدا، فلا يجوز أن يصف المسبوق السابق. بل نقول: إن المبدع أبدع كيفما أحب. و كيفما شاء، فهو هو و لا شيء معه. قال: و هذه الكلمة أعني هو و لا شيء بسيطا و لا مركبا معه، و هو مجمع كل ما نطلبه من العلم، لأنك إذا قلت و لا شيء معه، فقد نفيت عنه أزلية الصورة و الهيولى، و كل مبدع من صورة و هيولى، و كل مبدع من صورة فقط.
و من قال إن الصور أزلية مع آنيته فليس هو فقط، بل هو و أشياء كثيرة. فليس هو مبدع للصور؛ بل كل صورة إنما أظهرت ذاتها. فعند إظهارها ذاتها ظهرت هذه العوالم و هذا أشنع ما يكون من القول.
و كان هرمس و عاذيمون يقولان: ليست أوائل البتة، و لا معقول قبل المحسوس بحال، بل مثل بدعة الأشياء مثل الذي يفرخ من ذاته بلا حدث و لا فعل ظهر، فلا يزال يخرجه من القوة إلى الفعل حتى يوجد، فيكمل، فيحسه و يدركه. و ليس شيء بمعقول البتة و العالم دائم لا يزول، و لا يفنى، فإن المبدع لا يجوز أن يفعل فعلا يدثر إلا هو داثر مع دثور فعله، و ذلك محال.
٣- رأي زينون الأكبر [١]
زينون الأكبر ابن ماوس من أهل قنطس، كان يقول: إن المبدع الأول كان في
- و قد بثّ في ثنايا أشعاره آراءه في الدين و الفلسفة، و هو بالإصلاح الديني أشد صلة منه بالفلسفة. فقد هاجم اليونان في دينهم هجوما عنيفا زعزع العقائد و زلزل الآلهة التي اتخذها اليونان.
و التي صدروها في الأساطير و الأشعار القديمة في صورة الشر، فهي تمكر و تخدع و تسرق ... و قد سخر أكسنوفانس من هؤلاء الذين استباحت عقولهم أن تسيخ آلهة تولد و تموت و تضطرب مع البشر، و هو ينحو باللائمة المرة على هومر، و هزيود، اللذين ساقا في شعرهما تلك الصور الشائنة للآلهة. توفي أكسنوفانس نحو ٤٨٠ ق. م. (تاريخ الفلسفة اليونانية ص ٢٧ و قصة الفلسفة ص ٤٠).
[١] زينون الأكبر: ولد في إيليا سنة ٤٨٩ ق. م. و هو تلميذ برمنيدس و كان رجلا منطقيا ذا قدرة عظيمة على-