الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٠٥
ناطق، فهو إذن ناطق: لم تكن أخذت في الاستثناء شيئا أعرف من النتيجة و أيضا فإن الحد لا يكتسب من حد الضد، فليس لكل محدود ضد، و لا أيضا حد أحد الضدين أولى بذلك من حد الضد الآخر. و الاستقراء لا يفيد علما كليا، فكيف يفيد الحد، لكن الحد يقتنص بالتركيب، و ذلك بأن تعمد إلى الأشخاص التي لا تنقسم، و تنظر من أي جنس هي من العشرة، فتأخذ جميع المحمولات المقومة لها التي في ذلك الجنس، و تجمع العدة منها بعد أن تعرف أيها الأول، و أيها الثاني. فإذا جمعنا هذه المحمولات و وجدنا منها شيئا مساويا للمحدود من وجهين فهو الحد؛ أحدهما: المساواة في الحمل [١]، و الثاني: المساواة في المعنى [٢]، و هو أن يكون دالا على كمال حقيقة ذاته لا يشذ منه شيء، فإن كثيرا مما يميز الذات يكون قد أخل ببعض الأجناس أو ببعض الفصول، فيكون مساويا في الحمل و لا يكون مساويا في المعنى، و بالعكس. و لا يلتفت في الحد إلى أن يكون وجيزا بل ينبغي أن تضع الجنس القريب فيه باسمه أو بحده، ثم تأتي بجميع الفصول الذاتية. فإنك إذا تركت بعض الفصول فقد تركت بعض الذات.
و الحد عنوان للذات و بيان لها. فيجب أن يقوم في النفس صورة معقولة مساوية للصورة الموجودة بتمامها. فحينئذ يعرض أن يتميز أيضا المحدود، و لا حد في الحقيقة لما لا وجود له، و إنما ذلك قول يشرح الاسم. فالحد إذن قول دال على الماهية، و القسمة معينة في الحد خصوصا إذا كانت بالذاتيات. و لا يجوز تعريف الشيء بما هو أخفى منه، و لا بما هو مثله في الجلاء و الخفاء، و لا بما لا يعرف الشيء إلا به.
[١] المقصود أن يكون كل ما يحمل عليه المحدود يحمل عليه هذا القول، و كل ما يحمل عليه هذا القول يحمل عليه المحدود.
[٢] كقولنا في حد الإنسان: إنه جسم ناطق ميت مثلا. فإن هذا ليس بحد حقيقي بل هو ناقص. لأن الجنس القريب غير موضوع فيه، و كقولنا في حد الحيوان إنه جسم ذو نفس حساس من غير أن نقول «و متحرك بالإرادة» فإن هذا مساو في الحمل و ناقص في المعنى.