الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٣٧
وجود ما، و إنما يلحق ما في طباعه أمر ما بالقوة، و ذلك لأجل المادة، فيلحقها لأمر يعرض لها في نفسها، و أول وجودها: هيئة من الهيئات المانعة لاستعدادها الخاص للكمال الذي توجهت إليه. فتجعلها أردأ مزاجا و أعصى جوهرا لقبول التخطيط و التشكيل و التقويم. فتشوهت الخلقة و انتقصت البنية، لا لأن الفاعل قد حرم، بل لأن المنفعل لم يقبل، و أما الأمر الطارئ من خارج فأحد شيئين: إما مانع للمكمل، و إما مضاد ما حق للكمال. مثال الأول: وقوع سحب كثيرة و تراكمها، و إظلال جبال شاهقة تمنع تأثير الشمس في الثمار على الكمال، و مثال الثاني:
حبس البرد للنبات المسبب لكماله في وقته حتى يفسد الاستعداد الخاص، و يقال شر لمبادئها من الأخلاق؛ مثال الأول: الظلم و الرياء. و مثال الثاني: الحقد و الحسد، و يقال شر للآلام و الغموم، و يقال شر لنقصان كل شيء عن كماله، و الضابط لكله إما عدم وجود، و إما عدم كمال.
فنقول: الأمور إذا توهمت موجودة؛ فإما تمتنع أن تكون إلا خيرا على الإطلاق، أو شرا على الإطلاق، أو خيرا من وجه و شرا من وجه، و هذا القسم إما أن يتساوى فيه الخير و الشر، أو الغالب فيه أحدهما، أما الخير المطلق الذي لا شر فيه فقد وجد في الطباع و الخلقة، و أما الشر المطلق الذي لا خير فيه أو الغالب فيه أو المساوي فلا وجود له أصلا. فبقي ما الغالب في وجوده الخير و ليس يخلو عن الشر، و الأحرى به أن يوجد، فإن لا كونه أعظم شرا من كونه، فواجب أن يفيض وجوده من حيث يفيض منه الوجود، لئلا يفوت الخير الكلي لوجود الشر الجزئي، و أيضا فلو امتنع وجود ذلك القدر من الشر امتنع وجود أسبابه التي تؤدي إلى الشر بالعرض، و كان فيه أعظم خلل في نظام الخير الكلي، بل و إن لم نلتفت إلى ذلك و صيرنا التفاتنا إلى ما ينقسم إليه الإمكان في الوجود من أصناف الموجودات المختلفة في أحوالها، فكان الوجود المبرأ من الشر من كل وجه قد حصل. و بقي نمط من الوجود، إنما يكون على سبيل أن لا يوجد إلا و يتبعه ضرر و شر مثل النار فإن الكون إنما يتم بأن يكون فيه نار، و لن يتصور حصولها إلا على وجه تحرق