الملل و النحل - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٠٣
بحجته و معجزته فعندنا من خصائص الجواهر و الأجسام ما لا يحصى كثرة، و من المخبرين عن مغيبات الأمور من ساوى خبره [١] قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [٢] فإذا اعترفتم بأن للعالم صانعا و خالقا و حكيما؛ فاعترفوا بأنه آمر و ناه، حاكم على خلقه، و له في جميع ما نأتي و نذر، و نعمل و نفكر، حكم و أمر، و ليس كل عقل إنساني على استعداد ما يعقل عنه أمره، و لا كل نفس بشري بمثابة من يقبل عنه حكمه، بل أوجبت منّته ترتيبا في العقول و النفوس، و اقتضت قسمته أن يرفع، بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا* وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [٣]، فرحمة اللّه الكبرى هي النبوة و الرسالة، و ذلك خير مما يجمعون بعقولهم المختالة.
ثم إن البراهمة تفرقوا أصنافا، فمنهم أصحاب البددة، و منهم أصحاب الفكرة، و منهم أصحاب التناسخ.
١- أصحاب البددة
و معنى «البد» عندهم شخص في هذا العالم لا يولد، و لا ينكح، و لا يطعم، و لا يشرب، و لا يهرم، و لا يموت. و أول «بد» ظهر في العالم اسمه «شاكمين» [٤] و تفسيره: السيد الشريف، و من وقت ظهوره إلى وقت الهجرة خمسة آلاف سنة.
قالوا: و دون مرتبة البد مرتبة «البوديسعية» [٥] و معناه الإنسان الطالب سبيل الحق، و إنما يصل إلى تلك المرتبة بالصبر و العطية، و بالرغبة فيما يجب أن يرغب فيه، و بالامتناع و التخلي عن الدنيا، و العزوف عن شهواتها و لذاتها، و العفّة عن محارمها، و الرحمة على جميع الخلق، و بالاجتناب عن الذنوب العشرة: قتل كل ذي روح،
[١] و في نسخة «من لا يساويه خبره» و في نسخة ثانية «من لا يساوي خبره».
[٢] سورة إبراهيم: الآية ١١.
[٣] سورة الزخرف: الآية ٣٢.
[٤] و في نسخة «شاكين» و في رواية ثانية «شاكيموني».
[٥] و في نسخة «البرديسعية».